النجاح الإخباري - غازي مرتجى

ربما كانت الحرب على غزة سببًا مباشرًا في محاولة الهروب من ضخ وضغط الأخبار والاكتئاب الذي وصلت له بسبب مشاهد وحالات لم أستطع تجاوزها حتى اللحظة. بات عقلي بحاجة إلى ما يشغله، وكوني صاحب خلفية علمية — أنهيت ماجستيرًا متخصصًا في إدارة مخاطر الكوارث للحد منها — وفي الوقت ذاته بدأت تعلّم أدوات الذكاء الاصطناعي. لكنني كنت مستخدمًا فقط.

تواجه أحلامي مشكلة كبيرة في كل الأوقات: ما يخطر على بالي من أفكار ومحتوى يحتاج إلى سبعة أضعاف الوضع القائم. إنتاج المحتوى كان سهلًا، لكن الصعب كان توصيله لكل الشرائح. أدوات الذكاء الاصطناعي أعطتني هذه الميزة، لكنني بدأت أنا وصاحبي خلف بفتح عشرات المتصفحات للتمكن من استخدام الكم الهائل من الأدوات وتجربة كل جديد.

جاءت فكرة توظيف مبرمجة متخصصة لمساعدتنا — الزميلة لمى. سرعان ما كبُرت الفكرة، فجاءت من أطلقت اسم ليمينال — الزميلة رناد — ومعها رغد. اجتمعن ثلاثتهن، وهن خريجات برنامج مميز في الجامعة "علم الحاسوب في سوق العمل - فرعي هندسة البرمجيات وهندسة الذكاء الاصطناعي" على أنهن بحاجة إلى متخصص أعلى مستوى، فجاء صديقي أنس طعمة الذي أصبح لاحقًا نائبًا لرئيس الجامعة للابتكار والذكاء الاصطناعي. هكذا انطلقت ليمينال في أقل من ستة أشهر.

الفكرة إذن لم تأتِ من عالم التقنية. جاءت من عالم الضغط. حين تقل الميزانية وتزيد المتطلبات، يبدأ العقل في البحث عن رافعات لا عن موارد. الرافعة كانت واضحة: الذكاء الاصطناعي بات قادرًا على أتمتة الخطوات التي تستنزف الوقت دون أن تضيف قيمةً حقيقية. لكن ليمينال لم تكتفِ بتجميع الأدوات الموجودة — بل أسّست نماذج مخصصة للمركز، درّبتها وبنتها على مقاساتنا.

الجزء الصعب من القصة هو التمويل. ليمينال لم تُموَّل بمنحة ولا بمستثمر خارجي ولا بقرار استراتيجي مدروس. مُوِّلت بمداخيل مركز الإعلام — بما كسبناه من إنتاج محتوى وخدمات إعلامية، ضخّيناه ببطء في أداة كنا نحتاجها نحن أولًا قبل أن نفكر في بيعها لغيرنا. كان هذا قرارًا بالغ المخاطرة: تمويل مشروع تقني ناشئ من إيرادات محدودة جدًا لمؤسسة إعلامية لا تملك هامش الخطأ.

المفارقة أن ليمينال نجحت. وأصبحت اليوم هي من تُموّل جزءًا من عمليات المركز — لا العكس. وصلت إلى ثمانية مهندسين ذوي كفاءة عالية، بإدارة تقنية تجمع الأكاديمي والمتخصص. لديها اليوم فائض إنتاج وتحتاج مزيدًا من الجهات لتطوّر لها منتجات مخصصة.

لكن مشكلة التمويل لا تزال تلاحقنا.

ليمينال تعمل بنموذج يعتمد على المشاريع — كل مشروع يُموّل الذي يليه. هذا يجعلها قوية حين الطلب مرتفع، وهشّة حين يتباطأ. هناك محاولات مع عدد من الجهات الاستثمارية، لكن في فلسطين لا يوجد رأسمال مُغامر ولا حتى رأسمال يستثمر في التقنيات الحديثة — نعتمد في استثمارنا على الخارج.

المسار الأجدى لتطوير ليمينال في رأيي يمر عبر محور واحد: فتح السوق الفلسطيني بشكل مستدام، وإيمان هذا السوق بمن يحركه — أن هناك جهات فلسطينية تستطيع العمل باحترافية، وأن أي إمكانية متوفرة عند جهة غير فلسطينية هي بالتأكيد متوفرة للفلسطينيين في ذات الوقت وبذات القيمة.

للاطلاع على المقالات السابقة: 

  1. الذكاء الاصطناعي والموظف: تفنيش أم بقاء؟

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/08/559667/

  1. هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عقل الصحفي؟ سؤال فلسفي مزعج

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/02/559078/

  1. الذكاء الاصطناعي تهديد وجودي للنمط الصحفي السائد؟

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/01/559001/

  1. المراسل الافتراضي: تجربتنا في بناء صحفي لم يولد

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/03/559202/

  1. تفكير ترمب: المستقبل

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/08/559677/

  1. السيادة الفلسطينية : رسالة إلى الرئيس

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/09/559817/

  1. فرصة غزة للتحول نحو السوق الأكبر للعمل عن بعد

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/14/560262/

  1. هزيمة اللغة العربية ..

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/21/561056/

  1. الفيديو والذكاء الاصطناعي: غازي الأساسي وغازي الأفاتار

https://nn.najah.edu/news/liminal/2026/06/28/561739/