النجاح الإخباري - غازي مرتجى

رغم إيماني المطلق بأدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا الجنون دفعني إلى البحث أكثر في تأثيراتها الفلسفية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفي القطاعات التي تطالها. وهي تطال كل شيء... حتى طبيعة روايتك لنفسك.

أفتتح بهذه المقالة سلسلة تحاول مناقشة كل شيء؛ تشرح، وتقترح، ولعلها تضيف شيئًا إلى الواقع الفلسطيني البعيد، حتى الآن، عن هذه الثورة.

أبدأ من السؤال الذي يتصدّر النقاش: الموظف... هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكانه؟

أستطيع التحدث بشقين مختلفين؛ كمشغّل وكموظف، فأنا كليهما.

على مدار أكثر من عامين، حاولنا قدر الإمكان تمرير هذه التقنيات في مركز الإعلام. المقاومة والممانعة التي واجهها زميلي خلف خلف في إقناع 25 موظفًا، وصولًا إلى استسلامه المؤقت، كانت دليلًا على قوة الرفض المدفوع بتخوف واحد: "التفنيش". وبعيدًا عن كل محاولات التطمين، أو حتى اللجوء إلى أسلوب الثواب والعقاب، فإن المحاولة الأولى فشلت.

لم أستسلم أنا وصديقي خلف، بل بدأنا التأثير بشكل سلس على موظفين فرادى، إلى أن باتت هذه الأدوات جزءًا أساسيًا من التقييم والعمل اليومي. وتزامن ذلك مع التسارع الرهيب في تطورها. اليوم يعمل جميع الموظفين بها، ويستعدون لبدء استخدام "الأوتوميشن"، الذي سيشكّل تحولًا كبيرًا في الكفاءة التشغيلية والمراقبة الإدارية.

ما النتيجة؟

زادت الكفاءة التشغيلية للموظف بنسبة جيدة. لكن الأهم أن عمليات الإنتاج، في مختلف أنواع وأشكال الصحافة، ارتفعت بنسبة لا تقل عن 300%. هل جرى الاستغناء عن أي موظف؟ لا.

هنا أتوقف بصدق: هذه تجربة مركز واحد، لا قاعدة عامة. أقدّمها بوصفها شاهدًا، لا حكمًا نهائيًا على ما سيحدث في كل مكان. ومع ذلك، فإنها تكشف ديناميكية تستحق النقاش.

السؤال الأهم: هل هذه الزيادة الكبيرة في الإنتاج تدفع كل مشغّل إلى الاستغناء عن موظفيه؟

برأيي، الإجابة مشروطة. حين تكون لدى الجهة رؤية تطويرية، يمكن استثمار الفائض في مشاريع جديدة أو فروع بطبيعة مختلفة، فيُحفَظ الموظف ويزداد الإنتاج. لكن لنكن واقعيين: كثير من المشغلين سيختارون الطريق الأقصر، وهو تقليل الكلفة لا توسيع النشاط. وهذا احتمال لا يصح تجاوزه بحسن نية.

ثم إن الخطر الحقيقي ليس في الإقصاء المباشر، بل في وجهه الأكثر هدوءًا: توقّف التوظيف الجديد. شركة لا تطرد موظفيها لكنها تكتفي بهم، ولا تستبدل المتقاعد، ولا تفتح بابًا للخريج. هذا تفنيش بطيء لجيل كامل من الشباب، يحدث دون أن يصدر عنه صوت واحد. وهو، بنظري، التحدي الأكبر الذي يواجه أسواق العمل في السنوات المقبلة، لا موجة الفصل الجماعي التي يخشاها الموظفون اليوم.

عقب الانتهاء من عمل الأوتوميشن، توجهت إلى إدارتي وأبلغتهم أن الوحيد المهدد بالاستغناء هو "أنا"! فهذا النظام سيوفّر رقابة إدارية ومهنية صارمة، بنسبة ثقة قد تتفوق على مزاجية "المدير" وأحكامه الشخصية، عبر مؤشرات وأرقام لا تجامل.. 

عقب وصولنا هذا الحد  , جاءت فكرة "ليمنال" , وهي ربما أهم قرار اتخذته في حياتي المهنية لإنشاء قسم تحول فيما بعد إلى شركة متخصصة بحلول الذكاء الاصطناعي سواء المتخصص بالإعلام .. أو الطب ! ونجحت المهمة 

هذه المقالة افتتاح. ستخوض السلسلة لاحقًا في الأزمة الفلسفية التي أنتجتها هذه التطورات، وفي كيفية الحفاظ على سرديتنا الوطنية الفلسطينية في زمن باتت فيه الحقيقة قابلة للتصنيع آلاف المرات في اللحظة الواحدة.

غازي مرتجى - باحث دكتوراه في علوم الإعلام والذكاء الاصطناعي