النجاح الإخباري - أعادت أحداث بلدة تل، جنوب غرب نابلس، التي استشهد خلالها أربعة فلسطينيين خلال هجوم نفذه مستوطنون، طرح تساؤلات حول اختلاف التعامل مع حق "الدفاع عن النفس" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بعدما برزت المفارقة بين الحماية القانونية التي يوفرها "قانون درومي" للإسرائيليين عند استخدام القوة، والواقع الذي يواجهه الفلسطينيون في الضفة الغربية عند التصدي لاعتداءات يتعرضون لها.
وتعيد الحادثة فتح النقاش حول ما يعرف في إسرائيل بـ"قانون درومي"، وهو التشريع الذي يوسّع نطاق الحماية القانونية للإسرائيليين عند استخدام القوة بدعوى الدفاع عن النفس، في وقت يرى منتقدوه أن تطبيق مفهوم الدفاع عن النفس لا يُعامل بالطريقة ذاتها عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين.
وجاء الجدل عقب الرواية التي روجت لها وسائل إعلام إسرائيلية ومسؤولون إسرائيليون بعد حادثة تل، والتي ركزت على الادعاء بأن أحد الشبان الفلسطينيين أطلق النار أولًا، في محاولة لتقديم المستوطنين باعتبارهم في موقع "الدفاع عن النفس"، في وقت أكدت فيه الرواية الفلسطينية أن عشرات المستوطنين اقتحموا البلدة وهاجموا المواطنين وممتلكاتهم، ما أدى إلى اندلاع مواجهات خلال محاولة الأهالي التصدي لهم.
ما هو "قانون درومي"؟
يحمل القانون اسم المزارع الإسرائيلي شاي درومي، الذي أطلق النار في كانون الثاني/يناير 2007 على أشخاص اقتحموا مزرعته قرب بلدة ميتار في النقب، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة آخر.
ورغم أن درومي استخدم بندقية لم يكن يحمل ترخيصًا لها، فإن القضية تحولت إلى حملة سياسية وإعلامية واسعة داخل إسرائيل، حيث وقع عشرات الآلاف من الإسرائيليين على عريضة تضامن معه، فيما اعتبرته أحزاب اليمين الإسرائيلي نموذجًا لما وصفته بـ"حق المواطن في الدفاع عن ممتلكاته".
وبعد أشهر من الحادثة، بادر عضو الكنيست آنذاك يسرائيل كاتس إلى تعديل قانون العقوبات الإسرائيلي، ليصبح التعديل المعروف لاحقًا باسم "قانون درومي".
وينص القانون على إعفاء الشخص من المسؤولية الجنائية عن استخدام القوة عندما يكون ذلك ضروريًا بصورة فورية لصد شخص اقتحم أو دخل منزلًا أو مكان عمل أو مزرعة زراعية مسيجة بقصد ارتكاب مخالفة، وهو ما منح الإسرائيليين مساحة قانونية أوسع للاعتماد على مفهوم الدفاع عن النفس في ظروف محددة.
ورغم أن القانون صيغ باعتباره تشريعًا عامًا، فإن منتقديه يشيرون إلى أن تطبيقه العملي لم يمنح الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال في الضفة الغربية مستوى الحماية ذاته، في ظل اختلاف المنظومة القانونية التي يخضعون لها.
هل يحصل الفلسطينيون على الحماية القانونية ذاتها؟
وطرح الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي هذا السؤال في مقال نشرته صحيفة "هآرتس"، متسائلًا عن سبب عدم منح المزارع الفلسطيني الحق ذاته في استخدام مفهوم الدفاع عن النفس عندما يتعرض منزله أو أرضه لاقتحام من قبل مستوطنين.
وكتب ليفي أن الفلسطينيين باتوا من أكثر الفئات تعرضًا للخطر، مشيرًا إلى اعتداءات تشمل إحراق الأراضي، وتخريب الممتلكات، وقتل المواشي، والاعتداء الجسدي، في وقت يواجهون فيه اتهامات متكررة للجيش الإسرائيلي بالتقاعس عن حمايتهم أو توفير الحماية للمستوطنين.
وأضاف أن المستوطن يستطيع اللجوء إلى الشرطة والجيش عند وقوع حادثة، بينما يجد الفلسطيني نفسه في كثير من الحالات أمام المعتدين دون حماية فعالة، معتبرًا أن المشكلة لا ترتبط فقط بنص القانون، وإنما بطريقة تطبيقه في الواقع.
أحداث تل... عندما يصبح الضحية متهمًا
وفي أعقاب أحداث تل، ركزت وسائل إعلام إسرائيلية ومسؤولون إسرائيليون على رواية مفادها أن فلسطينيًا أطلق النار أولًا، بينما أكدت الرواية الفلسطينية أن الهجوم بدأ باقتحام مستوطنين مسلحين للبلدة والاعتداء على سكانها وممتلكاتهم.
ويرى مختصون أن الخلاف الأساسي لا يتعلق فقط بلحظة إطلاق النار، وإنما بالسؤال الذي يسبقها: كيف بدأ الحدث؟ ومن كان الطرف الذي اقتحم المكان أولًا؟
ويشير هؤلاء إلى أن الرواية الإسرائيلية غالبًا ما تبدأ من لحظة رد الفعل الفلسطيني، بينما تغيب عنها في كثير من الأحيان المرحلة السابقة المتمثلة في اقتحام المستوطنين للقرى والبلدات الفلسطينية.
من جانبه، رفض عضو الكنيست أحمد الطيبي الرواية التي تبنتها الحكومة ووسائل الإعلام الإسرائيلية، معتبرًا أن التركيز على إطلاق النار فقط يتجاهل واقعة دخول مستوطنين مسلحين إلى قرية فلسطينية.
وقال الطيبي إن السؤال الأساسي ليس فقط "من أطلق النار؟"، وإنما "لماذا كان المستوطنون المسلحون داخل قرية فلسطينية أصلًا"، مشددًا على أن الدفاع عن النفس مبدأ لا ينبغي أن يرتبط بهوية المعتدي أو المعتدى عليه.
خطاب سياسي متصاعد عقب الحادثة
وعقب أحداث تل، صعّد عدد من وزراء ونواب اليمين الإسرائيلي المتطرف خطابهم تجاه الفلسطينيين.
ودعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى تشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين، ودعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، جيش الاحتلال إلى "العمل بقوة ضد كل قرية فلسطينية تُنفذ منها عملية وما حولها من بلدات، من أجل فرض السيادة"، في تصريحات اعتُبرت تحريضًا على توسيع العقوبات الجماعية بحق الفلسطينيين.
وتأتي أحداث تل في ظل ارتفاع ملحوظ في اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
وبارتقاء الشهداء الأربعة في بلدة تل، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال اعتداءات المستوطنين منذ بداية العام الجاري إلى 24 شهيدًا، وفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فيما بلغ العدد منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 60 شهيدًا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن عنف المستوطنين لم يعد يقتصر على الاعتداء على الأراضي والممتلكات، بل تحول في حالات متزايدة إلى هجمات دامية توقع قتلى وجرحى، وسط مطالبات فلسطينية ودولية بمحاسبة المسؤولين عنها.