النجاح الإخباري - النجاح الإخباري - خاص- في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الدولي، ليس فقط كممر مائي ضيق تعبره ناقلات النفط، بل كنقطة ارتكاز لصراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي. فمع إعلان الولايات المتحدة إطلاق عملية “مشروع الحرية” لمرافقة السفن التجارية، وتصاعد التوتر مع إيران رغم الحديث عن استمرار وقف إطلاق النار، تبدو المنطقة أمام معادلة دقيقة: تهدئة معلنة وتصعيد فعلي على الأرض.
التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي قلّل فيها من شأن القدرات الإيرانية، ترافقت مع تأكيدات من وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن العملية العسكرية “محدودة ومؤقتة” وتهدف حصراً إلى حماية الملاحة. غير أن هذه الرسائل السياسية، التي تبدو في ظاهرها موجهة نحو التهدئة، تتقاطع ميدانياً مع تحركات عسكرية تعكس محاولة أميركية لإعادة ضبط قواعد الاشتباك في واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
مضيق يتحول إلى مركز الصراع
أهمية مضيق هرمز لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه ممراً لنحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلاً بإرباك الأسواق الدولية. ومع تكدّس مئات السفن التجارية في انتظار العبور، تحوّل المضيق إلى عنوان مباشر للأزمة، بعد أن نجحت إيران في نقل الصراع من ساحته العسكرية التقليدية إلى فضاء جغرافي-اقتصادي أكثر تأثيراً.
في هذا السياق، يرى الباحث نزار نزال أن ما يجري يمثل تحولاً استراتيجياً في طبيعة المواجهة، حيث انتقلت الولايات المتحدة وإسرائيل من خيار “الضربات الحاسمة” إلى سياسة الضغط عبر الحصار والتحكم بالممرات الحيوية، بعد إخفاق الجولات العسكرية السابقة في تحقيق أهدافها، وعلى رأسها إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه.
ويشير نزال في حديثه "لإذاعة النجاح" إلى أن طهران، في المقابل، نجحت في فرض معادلة جديدة، تقوم على ربط أمنها الداخلي بأمن الطاقة العالمي، ما أجبر القوى الكبرى على الانخراط غير المباشر في الأزمة، وأعاد توجيه الاهتمام الدولي من “الملف النووي” إلى “أمن الملاحة”.
“مشروع الحرية”… بين الردع والانزلاق
رغم تأكيد واشنطن أن العملية دفاعية، إلا أن قراءتها في السياق الأوسع تشير إلى محاولة كسر النفوذ الإيراني في المضيق، وإعادة فتحه أمام حركة التجارة دون شروط. لكن هذه الخطوة، وفق المحللين، تحمل في طياتها مخاطر الاحتكاك المباشر.
الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي يضع هذا التحرك ضمن أربعة مسارات محتملة للسياسة الأميركية: إما التصعيد الشامل، أو الضربات المحدودة، أو التوجه نحو تسوية سياسية، أو الاستمرار في سياسة الحصار والضغط البحري. ويرى أن الخيار الأخير هو الأكثر ترجيحاً حالياً، كونه يحقق ضغطاً مستمراً دون كلفة الحرب المفتوحة، لكنه يبقى محفوفاً بإمكانية الانفجار في أي لحظة.
ويذهب الضيفان إلى أن ما يجري حالياً أقرب إلى “استراحة تكتيكية”، تسعى خلالها الأطراف إلى إعادة ترتيب أوراقها، سواء عبر تقييم نتائج المواجهات السابقة أو اختبار أدوات ضغط جديدة، وعلى رأسها الحصار البحري.
ويربط الباحث نزار نزال ما يجري في مضيق هرمز بسياق استراتيجي أوسع، معتبراً أن التحركات الأميركية لا يمكن فصلها عن هدف مركزي يتمثل في إضعاف إيران كقوة إقليمية فاعلة. ويشير إلى أن الانتقال من الضربات العسكرية المباشرة إلى الحصار والتحكم بالممرات الحيوية يعكس فشلاً في تحقيق الحسم، مقابل محاولة تعويض ذلك عبر أدوات ضغط طويلة الأمد تمس الاقتصاد والطاقة.
ويضيف نزال للنجاح أن طهران نجحت في المقابل في “تغيير قواعد اللعبة”، عبر نقل الصراع إلى مستوى جغرافي–اقتصادي، ما جعل العالم بأسره معنياً بما يحدث، وليس فقط أطراف النزاع المباشرين. فبدلاً من أن يكون النقاش محصوراً في ملفات سياسية أو عسكرية، بات مرتبطاً بأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق، وهو ما منح إيران مساحة أوسع للمناورة.
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة الثنائية، ليعكس محاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. ويؤكد أن إدخال مضيق هرمز في قلب الصراع أدى إلى “تدويل الأزمة”، بعدما أصبحت تداعياتها تمتد إلى دول الخليج والأسواق العالمية، ما يزيد من تعقيد أي مسار نحو التهدئة.
ويحذر عنبتاوي عبر "إذاعة النجاح"، من أن هذا التداخل يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث يمكن لأي احتكاك محدود أن يتحول إلى مواجهة أوسع، في ظل وجود قوى إقليمية ودولية منخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في الأزمة.