نابلس - النجاح الإخباري - في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، عاد الاتحاد الأوروبي إلى واجهة المشهد السياسي بخطوة وُصفت بأنها “غير مسبوقة”، عبر إقرار حزمة عقوبات بالإجماع ضد مستوطنين ومنظمات استيطانية إسرائيلية متطرفة متورطة في أعمال عنف بحق الفلسطينيين. وبينما رحبت القيادة الفلسطينية بهذه الخطوة واعتبرتها تطوراً مهماً في مسار المساءلة الدولية، شكك محللون ومختصون في مدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي على الأرض، في ظل غياب إجراءات أوروبية أشد تأثيراً تجاه حكومة الاحتلال وسياسات الاستيطان المتسارعة.
ورحبت وزارة الخارجية والمغتربين بقرار دول الاتحاد الأوروبي اعتماد عقوبات بحق منظمات وشخصيات استعمارية إسرائيلية متطرفة، معتبرة أن القرار يشكل “خطوة مهمة نحو تعزيز آليات المساءلة” في مواجهة ما وصفته بمنظومة الاستعمار والإرهاب الاستيطاني المتصاعد ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم. كما دعا مجلس الوزراء الفلسطيني دول العالم إلى اتخاذ خطوات مماثلة وأكثر حزماً، تشمل فرض عقوبات سياسية واقتصادية وقانونية على منظومة الاستيطان بأكملها.
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي الأستاذ حمد الله عفانة خلال حديثه "لإذاعة صوت النجاح"، أن العقوبات الأوروبية، رغم أهميتها السياسية، لا تزال “خطوات خجولة وغير كافية”، معتبراً أن الاتحاد الأوروبي شريك تاريخي في صناعة الواقع القائم، وأن الإجراءات الحالية لن تؤثر فعلياً على حكومة الاحتلال أو المستوطنين.
وأشار عفانة إلى أن إسرائيل تمتلك آليات للالتفاف على العقوبات، من خلال إعادة تصنيف منتجات المستوطنات أو تسويقها على أنها منتجات إسرائيلية أو عبر دول وسيطة، ما يقلل من فعالية أي قيود اقتصادية أوروبية. كما لفت إلى أن حكومة الاحتلال الحالية لا تتعامل بجدية مع الإدانات الدولية، في ظل الدعم الأمريكي الواسع، وتصاعد نفوذ اليمين المتطرف داخل مؤسسات الحكم الإسرائيلية.
واعتبر أن ما يجري في الضفة الغربية ليس سياسة طارئة، بل امتداد لنهج استيطاني قديم تعزز بشكل غير مسبوق مع الحكومة الحالية، مشيراً إلى أن الفلسطينيين أنفسهم يتحملون جزءاً من المسؤولية في مواجهة هذا الواقع، سواء من خلال ضعف المقاطعة الاقتصادية أو غياب الدعم الكافي للمزارعين والمواطنين في المناطق المستهدفة بالاستيطان.
من جهته، رأى الباحث في العلاقات الدولية والمحلل السياسي الأستاذ نعمان العابد أن ما يحدث في الضفة الغربية “خطة ممنهجة” تقودها حكومة بنيامين نتنياهو ووزراء اليمين المتطرف، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بهدف فرض وقائع نهائية على الأرض الفلسطينية.
وأوضح العابد "خلال حديثه لإذاعة النجاح"، أن العقوبات الأوروبية تستهدف أفراداً ومنظمات، بينما “المشكلة الحقيقية تكمن في السياسات الرسمية للحكومة الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن المستوطنين يحظون بغطاء عسكري وقانوني مباشر من حكومة الاحتلال، الأمر الذي يجعل العقوبات المحدودة فاقدة للتأثير الرادع.
وأكد أن الاتحاد الأوروبي لا يزال منقسماً في تعاطيه مع إسرائيل، رغم وجود تغيرات في مواقف بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا وإيطاليا، التي اتخذت خطوات أكثر تقدماً تجاه حكومة الاحتلال. لكنه شدد على أن أي تحول حقيقي يتطلب إجراءات أوسع، تشمل وقف التعاون العسكري والاقتصادي وتعليق اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل، إضافة إلى مقاطعة شاملة للاستيطان باعتباره غير شرعي وفق القانون الدولي والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وأشار العابد إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تتعامل مع ملف الاستيطان باعتباره “سياسة قابلة للتفاوض”، بل “عقيدة أيديولوجية” يسعى اليمين المتطرف إلى تكريسها قبل أي تغير سياسي داخلي أو خارجي. ولفت إلى أن هذه الحكومة لا تكتفي بفرض وقائع ميدانية، بل تعمل أيضاً على سن قوانين وتشريعات تجعل من الصعب على أي حكومة إسرائيلية مستقبلية التراجع عنها.
وفي قراءته للمشهد المقبل، حذر العابد من أن استمرار ضعف الموقف الفلسطيني الداخلي والانشغال الدولي بأزمات أخرى، كالحرب الروسية الأوكرانية والأزمات الاقتصادية العالمية، قد يمنح حكومة الاحتلال مساحة أوسع لتكريس سياساتها الاستيطانية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة.
بدوره، اعتبر عفانة أن أي حكومة إسرائيلية قادمة قد لا تكون أقل عدوانية تجاه الفلسطينيين، لكنه توقع أن تنشغل الحكومات المقبلة بالأزمات الداخلية الإسرائيلية، مثل الخلافات القضائية والتحقيقات المتعلقة بأحداث السابع من أكتوبر وقانون تجنيد “الحريديم”، ما قد يخفف جزئياً من اندفاع السياسات الحالية دون أن يوقفها بالكامل.
ورغم ترحيب الضيفين بأي تحرك دولي ضد الاستيطان، إلا أنهما أجمعا على أن العقوبات الأوروبية الحالية تبقى محدودة التأثير، ما لم تتحول إلى سياسة دولية متكاملة تستهدف منظومة الاحتلال والاستيطان بأكملها، بالتوازي مع تعزيز الصمود الفلسطيني الداخلي وإعادة بناء الموقف الوطني الموحد في مواجهة ما وصفاه بأخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية منذ سنوات.