النجاح الإخباري - مع تصاعد الغضب الدولي عقب اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لـ"أسطول الصمود العالمي" واعتقال مئات المتضامنين الدوليين، فجّرت مشاهد التنكيل بالناشطين داخل ميناء أسدود أزمة غير مسبوقة داخل حكومة الاحتلال، بعدما شنّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر هجوماً علنياً على وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، متهماً إياه بإلحاق الضرر بصورة إسرائيل "عن قصد" من خلال ما وصفه بـ"العرض المخزي" بحق ناشطي الأسطول.
وقال ساعر، في منشور عبر منصة "إكس"، إن بن غفير "ألحق الضرر بدولة إسرائيل عن قصد من خلال هذا العرض المخزي"، مضيفاً أن ما قام به "ليس المرة الأولى". واعتبر أن التصرفات الاستفزازية التي رافقت احتجاز الناشطين أهدرت "جهوداً مهنية وناجحة" بذلها الجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية لتقليل حجم الانتقادات الدولية المتصاعدة ضد الاحتلال.
وخاطب ساعر بن غفير مباشرة قائلاً: "لا، أنت لست وجه إسرائيل"، في تصريح عكس حجم الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية، خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية على تل أبيب بسبب الحرب المتواصلة على غزة والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين والمتضامنين الدوليين.
وجاءت تصريحات ساعر عقب نشر بن غفير مقاطع فيديو ظهر فيها داخل ميناء أسدود برفقة حراسه، خلال زيارة وُصفت بأنها "استفزازية واستعراضية"، بينما كان ناشطو "أسطول الصمود" مكبلي الأيدي ومطروحين أرضاً عقب اعتقالهم. وأظهرت المشاهد تعرّض عدد من الناشطين للتنكيل والإهانة، فيما أُجبر بعضهم على الاستماع للنشيد الإسرائيلي "هتيكفا"، وسط هتافات "فلسطين حرة" أطلقها ناشطون من داخل الميناء.
وفي أحد المقاطع، ظهر بن غفير وهو يشير إلى المعتقلين ويتفاخر باحتجازهم، داعياً رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى إبقائهم في السجون لأطول فترة ممكنة، في خطوة أثارت موجة غضب دولية واسعة.
وكانت قوات بحرية الاحتلال قد نفذت عملية اعتراض واسعة لسفن "أسطول الصمود العالمي" في المياه الدولية بالبحر الأبيض المتوسط، أثناء توجهها إلى قطاع غزة محمّلة بمساعدات إنسانية. وأسفرت العملية عن السيطرة على السفن واعتقال نحو 430 ناشطاً ومتضامناً من 39 دولة، بينهم أطباء وبرلمانيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، قبل اقتيادهم قسراً إلى ميناء أسدود جنوب فلسطين المحتلة.
وأفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية لاحقاً بأن جميع الناشطين "نُقلوا إلى سفن إسرائيلية"، في حين أكدت جهات حقوقية أن عملية الاعتراض تمت خارج المياه الإقليمية، معتبرة ما جرى "قرصنة بحرية وانتهاكاً للقانون الدولي".
وفي موازاة الهجوم الذي شنه ساعر على بن غفير، أصدر مكتب نتنياهو تعليمات بترحيل ناشطي الأسطول "بأسرع وقت ممكن"، معتبراً أن طريقة تعامل بن غفير مع المعتقلين "لا تنسجم مع قيم ومعايير دولة إسرائيل"، وفق تعبيره. إلا أن المكتب شدد في الوقت نفسه على ما وصفه بـ"حق إسرائيل الكامل في منع قوافل مؤيدة لحماس من الوصول إلى غزة".
ويُعد "أسطول الصمود العالمي"، الذي انطلق من تركيا الأسبوع الماضي، ثالث مبادرة بحرية خلال العام الجاري تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، في ظل الكارثة الإنسانية المتفاقمة ونقص الغذاء والمياه والأدوية والوقود منذ بدء الحرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأثارت مشاهد التنكيل بالناشطين موجة إدانات دولية متسارعة، حيث أعلنت كل من فرنسا وإيطاليا وكندا وإسبانيا استدعاء ممثلين دبلوماسيين إسرائيليين للاحتجاج على معاملة المعتقلين.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إنه طلب استدعاء السفير الإسرائيلي في باريس "للتعبير عن الاستنكار والحصول على توضيحات" بشأن ما وصفه بـ"التصرفات غير المقبولة".
كما وصفت الحكومة الإيطالية معاملة الناشطين بأنها "غير مقبولة"، مطالبة تل أبيب بتقديم تفسيرات رسمية واعتذار واضح. أما الخارجية الكندية فأكدت أنها استدعت السفير الإسرائيلي احتجاجاً على "المعاملة غير المقبولة" للمشاركين في الأسطول، فيما اعتبرت إسبانيا أن ما جرى يمثل "تصرفات مرفوضة" بحق متضامنين مدنيين.
بدورها، أدانت تركيا ما وصفته بـ"العقلية الهمجية" للحكومة الإسرائيلية بعد اعتراض الأسطول واحتجاز الناشطين.
وعلى الصعيد الفلسطيني، قال مكتب إعلام الأسرى إن مشاهد التنكيل والتحريض بحق المتضامنين "تكشف الوجه الحقيقي لمنظومة الاحتلال القائمة على القمع والعنف المنظم"، مؤكداً أن ما يتعرض له الناشطون يعكس جانباً مما يواجهه الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال من "تعذيب ممنهج وإبادة بطيئة".
وأضاف المكتب أن استمرار احتجاز المتضامنين وتحويل التضامن الإنساني مع الفلسطينيين إلى "جريمة" يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، داعياً المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل للإفراج عن المعتقلين ومحاسبة الاحتلال على ممارساته.
وتعيد حادثة "أسطول الصمود" إلى الواجهة الجدل المتواصل بشأن قانونية الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وكذلك أساليب التعامل مع المتضامنين الدوليين، في وقت تتزايد فيه عزلة الاحتلال دولياً بفعل تصاعد الانتقادات المرتبطة بالحرب والانتهاكات الإنسانية في القطاع.