نابلس - النجاح الإخباري - توسعت حالة الغضب النقابي في فلسطين خلال الأيام الأخيرة، عقب الجدل الذي أثاره صرف دفعة مالية استثنائية للقضاة وأعضاء النيابة العامة، في وقت لا تزال فيه رواتب الموظفين العموميين تُصرف بشكل منقوص منذ سنوات، الأمر الذي دفع عدة نقابات واتحادات مهنية إلى إعلان الإضراب أو تعليق العمل، احتجاجاً على ما وصفته بـ"سياسة التمييز والمحاباة".

وفي مقابلة إذاعية عبر برنامج “صباح فلسطين” على إذاعة صوت النجاح مع الزميل علي دراغمة، حاول قاضي المحكمة العليا والمستشار الخاص لرئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي رائد عساف، تقديم رواية القضاء بشأن الدفعة المالية، مؤكداً أن ما جرى “ليس امتيازاً على حساب الموظفين”، وإنما إجراء محدود يهدف إلى ضمان استمرار عمل مرفق العدالة.

وقال عساف إن القاضي الفلسطيني “ليس أفضل من أي موظف أو معلم أو طبيب”، لكنه أوضح أن طبيعة الوظيفة القضائية تختلف قانونياً ودستورياً، لأن القاضي ممنوع بحكم القانون من مزاولة أي عمل إضافي أو نشاط تجاري أو نقابي أو سياسي، حفاظاً على استقلاله وحياده.

وأضاف أن القضاة “يعيشون ذات الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع”، مشيراً إلى أن بعض القضاة اضطروا لنقل أبنائهم من المدارس الخاصة إلى الحكومية، وأن عدداً منهم بات يتشارك مركبة واحدة لتقليل تكاليف التنقل بسبب الأزمة المالية.

وأكد عساف للنجاح، أن القضاء لم يتوقف عن العمل “حتى في أصعب الظروف”، وأن القاضي “لا يستطيع الإضراب أو أخذ مناوبات”، لأن هناك موقوفين وقرارات قضائية ومواعيد قانونية لا يمكن تأجيلها.

وقال عساف أيضاً إن مجلس القضاء الأعلى لا يدخل في سجالات سياسية أو نقابية مع أي جهة، مؤكداً أن هدف البيان والتوضيح الأخير كان فقط “تصويب المعلومات للرأي العام” بعد انتشار انطباع بأن ما صُرف للقضاة جاء من مخصصات الموظفين، وهو ما نفاه بشكل قاطع، مشدداً على أن القضاء “ليس طرفاً في أي مواجهة” وأن دوره يقتصر على توضيح الوقائع المتعلقة بعمله فقط.

وشدد عبر النجاح، على أن المبلغ الذي صُرف للقضاة “لم يكن من أموال الموظفين أو من مخصصات الرواتب الحكومية”، وإنما من صندوق تطوير القضاء، وهو صندوق قائم منذ عام 2015، موضحاً أن الصرف جرى “وفق الأصول المالية ومن خلال وزارة المالية التزاماً بالرقابة والشفافية”.

كما أقرّ عساف بأن مجلس القضاء الأعلى “تأخر في توضيح الصورة للرأي العام”، معترفاً بأن حالة الغضب الشعبي مفهومة في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعيشها الموظفون الفلسطينيون.

وفي بيان توضيحي مشترك، أكد مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة أن عدد المستفيدين من الدفعة يبلغ نحو 350 قاضياً وعضواً في النيابة العامة، وأن المبلغ صُرف “لمرة واحدة فقط” وعلى بند المواصلات والتنقل، بهدف تمكين القضاة من الاستمرار في أداء مهامهم اليومية دون تقليص في العمل القضائي.

وأوضح البيان أن صندوق تطوير القضاء سبق أن ساهم خلال الأشهر الماضية بتحويل نحو 19 مليون شيقل إلى وزارة المالية، للمساعدة في صرف جزء من رواتب الموظفين العموميين.

ورغم التوضيح الرسمي، تصاعدت ردود الفعل النقابية بشكل غير مسبوق، مع اتهامات للحكومة بانتهاج سياسة “الكيل بمكيالين” بين الموظفين.

فقد أعلن موظفو المحاكم النظامية تعليق العمل ابتداءً من الأحد، احتجاجاً على عدم صرف الرواتب كاملة منذ خمس سنوات، وعلى ما وصفوه بـ”التهميش والإجحاف والتمييز بين الموظفين”.

وقال الموظفون في بيانهم إن الأوضاع المعيشية دفعت بعض العاملين إلى بيع ممتلكاتهم الشخصية لتأمين احتياجات أسرهم، مطالبين بصرف الرواتب والمستحقات كاملة، وتنفيذ قرارات المحكمة الإدارية المتعلقة بالعلاوات، وإنهاء سياسة التمييز.

وامتدت رقعة الإضرابات إلى قطاعات حيوية أخرى، حيث أعلنت نقابة الأطباء إغلاق مراكز الرعاية الصحية الحكومية بشكل كامل، وتقليص عمل المستشفيات إلى خدمات الطوارئ وإنقاذ الحياة فقط، محملة الحكومة مسؤولية “التدهور الخطير” الذي يهدد النظام الصحي.

كما صعّدت نقابة المهن الصحية من خطواتها الاحتجاجية، في وقت أعلنت فيه نقابة الموظفين العموميين إضراباً شاملاً تحذيرياً، متهمة الحكومة بـ”الاستهتار بصبر الموظفين”.

وانضمت نقابة المهندسين إلى الإضرابات المفتوحة، مؤكدة أن “كرامة المهندس الفلسطيني ليست محل مساومة”، واحتجت على ما وصفته بـ”النهج التمييزي” في التعامل مع الموظفين.

كذلك شهدت الجامعات الحكومية، ومنها جامعة فلسطين التقنية “خضوري”، فعاليات احتجاجية وإضرابات جزئية شملت تعليق اعتماد العلامات والتسجيل للفصل الدراسي المقبل.

وفي الشارع الفلسطيني، تحولت قضية دفعة القضاة إلى عنوان أوسع لأزمة الثقة المتراكمة بين الموظفين والحكومة، في ظل استمرار اقتطاع الرواتب، وتراجع القدرة الشرائية، وتصاعد الأعباء المعيشية الناتجة عن الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية بسبب احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة.

وبينما يؤكد مجلس القضاء الأعلى أن ما جرى “إجراء قانوني محدود لا يحمل أي امتيازات خاصة”، ترى النقابات أن القضية تجاوزت قيمة المبلغ نفسه، لتتحول إلى رمز لحالة الغضب المتصاعدة من استمرار الأزمة المالية وسياسات التفاوت بين فئات الموظفين العموميين.