النجاح الإخباري - -قراءة أعدّها "النجاح الإخباري" في أبرز ما تناولته الصحافة العبرية

لم تمضِ ساعات على انتهاء جولة التصعيد الأخيرة بين إسرائيل وإيران حتى تحولت الصحافة العبرية إلى ساحة نقد حاد للأداء السياسي والعسكري الإسرائيلي، وسط إجماع لافت بين عدد من أبرز المحللين الإسرائيليين على أن نتائج المواجهة لا تنسجم مع الرواية الرسمية التي حاولت حكومة بنيامين نتنياهو تسويقها بوصفها "نجاحاً أمنياً".

وفي وقت سعى فيه نتنياهو إلى إظهار إسرائيل بمظهر الطرف الذي فرض قواعد اللعبة، كشفت مقالات وتحليلات نشرتها صحف "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" و"يسرائيل هيوم" عن صورة مغايرة، عنوانها الأبرز: تعاظم الدور الأميركي في رسم حدود المواجهة، ونجاح إيران في تثبيت معادلة ردع جديدة تربط بين لبنان وإيران، بما يقيّد هامش الحركة الإسرائيلي مستقبلاً.

إيران تفرض الإيقاع

في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اعتبر المحلل الأمني رونين برغمان أن الجولة الأخيرة انتهت بما وصفه بـ"هزيمة استراتيجية محرجة" لإسرائيل، ليس بسبب حجم الخسائر العسكرية، وإنما لأن إيران نجحت في فرض الكلمة الأخيرة في المواجهة.

ويرى برغمان أن إسرائيل دخلت التصعيد وهي تدرك أن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت قد يستجر رداً إيرانياً مباشراً، إلا أن ما حدث لاحقاً كشف أن طهران تمكنت من ترسيخ معادلة جديدة مفادها أن أي استهداف كبير في لبنان قد يقابله رد مباشر من الأراضي الإيرانية.

وبحسب قراءته، فإن المشكلة الأعمق لا تكمن في تبادل الضربات بحد ذاته، بل في أن إسرائيل لم تعد قادرة على التحكم بمسار التصعيد أو توقيت إنهائه، بعدما باتت الولايات المتحدة هي الجهة التي ترسم سقف المواجهة وحدودها.

الفيتو الأميركي

أحد أكثر الاستنتاجات حضوراً في الإعلام العبري تمثل في الدور الحاسم الذي لعبته واشنطن في وقف التصعيد.

فبحسب برغمان، كانت إسرائيل تستعد لتنفيذ هجوم أوسع داخل إيران، ووصلت التحضيرات العسكرية إلى مراحل متقدمة، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويطلب وقف العملية.

ويرى محللون إسرائيليون أن هذه الحادثة كشفت بصورة غير مسبوقة حجم التبعية الإسرائيلية للقرار الأميركي عندما يتعلق الأمر بمواجهة واسعة مع إيران، وأظهرت أن الحكومة الإسرائيلية لا تستطيع خوض حرب إقليمية شاملة من دون غطاء أميركي مباشر.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن المشهد الذي تابعه الإسرائيليون خلال الساعات الأخيرة من التصعيد لم يكن مشهداً لتنسيق أميركي ـ إسرائيلي بقدر ما كان مشهداً لواشنطن وهي تضع حدود الحركة أمام تل أبيب.

معادلة جديدة تقلق إسرائيل

أما ليلاخ شوفال في صحيفة "يسرائيل هيوم"، فركزت على ما وصفته بحالة الإحباط داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وترى شوفال أن أخطر ما أفرزته الجولة الأخيرة ليس عدد الصواريخ أو حجم الأضرار، بل نجاح إيران في تثبيت معادلة ردع جديدة تربط بين بيروت وطهران.

وبحسب هذا التصور، فإن أي هجوم إسرائيلي واسع في الضاحية الجنوبية قد يؤدي مستقبلاً إلى إطلاق صواريخ مباشرة من إيران، وربما من ساحات أخرى مرتبطة بمحور المقاومة.

وتشير الكاتبة إلى أن هذا السيناريو كان مطروحاً مسبقاً أمام المستويات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، إلا أن القرار اتُخذ بالمضي في الهجوم رغم التحذيرات، ما أدى إلى إدخال إسرائيل في معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً.

وتضيف أن السؤال المركزي الذي يواجه إسرائيل اليوم يتمثل في ما إذا كانت ستواصل سياسة الرد على إطلاق النار من لبنان كما كانت تفعل سابقاً، أم أنها ستضطر إلى ممارسة قدر أكبر من الاحتواء خشية الانزلاق إلى مواجهة أوسع مع إيران.

نتنياهو في مرمى الانتقادات

وفي صحيفة "معاريف"، شنّ الكاتب بن كسبيت هجوماً حاداً على نتنياهو، معتبراً أن الأخير بدا خلال ظهوره الإعلامي الأخير "كبالون فرغ منه الهواء"، في إشارة إلى التناقض بين خطاباته السابقة عن "النصر المطلق" والواقع الذي أفرزته الجولة الأخيرة.

ويرى كسبيت أن إسرائيل انتقلت في عهد نتنياهو من سياسة الجولات مع حركة حماس إلى سياسة الجولات مع إيران، من دون أن تحقق حسماً في أي من الجبهات.

ويحذر الكاتب من أن إسرائيل لا تستطيع اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً تحمّل تكرار جولات مفتوحة مع إيران، معتبراً أن النتيجة الفعلية للمواجهة الأخيرة هي بقاء التهديد الإيراني قائماً وربما أكثر خطورة من السابق.

كما يحمّل نتنياهو مسؤولية التبعية المتزايدة للقرار الأميركي، ويرى أن رهانه على إدارة الصراع بدلاً من حسمه أو إيجاد مخارج سياسية له أدى إلى تآكل المكانة الاستراتيجية لإسرائيل.

مأزق القوة العسكرية

وفي قراءة أكثر عمقاً، كتب نداف إيال في "يديعوت أحرونوت" أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نتائج الجولة الأخيرة فحسب، بل في الفجوة المتزايدة بين الإنجازات العسكرية الإسرائيلية والنتائج السياسية المتحققة على الأرض.

ويستحضر الكاتب مفهوم "التمدد الإمبراطوري المفرط"، محذراً من أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية قد يتحول مع الوقت إلى عبء استراتيجي واقتصادي وأمني يرهق الدولة ويستنزف قدراتها.

وبحسب رؤيته، فإن استمرار المواجهة مع إيران وحزب الله وحماس من دون استراتيجية سياسية متكاملة يضع إسرائيل أمام معضلة متفاقمة، خصوصاً في ظل الضغوط الداخلية.

النتائج الاستراتيجية

تكشف مجمل القراءات الإسرائيلية أن الجدل داخل إسرائيل لم يعد يدور حول تفاصيل الضربات العسكرية المتبادلة، بل حول النتائج الاستراتيجية التي أفرزتها المواجهة الأخيرة.

وتظهر التحليلات العبرية أن القلق الإسرائيلي يتركز اليوم على ثلاثة محاور رئيسة: نجاح إيران في فرض معادلة ردع جديدة، وتعاظم تأثير الفيتو الأميركي على القرارات العسكرية الإسرائيلية، واستمرار العجز عن تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المواجهة الأخيرة لم تُنهِ الصراع بين الطرفين، بل فتحت فصلاً جديداً من النقاش داخل إسرائيل حول حدود القوة العسكرية ومستقبل العلاقة مع واشنطن وكيفية التعامل مع إيران في المرحلة المقبلة.