منال الزعبي - النجاح الإخباري - تبدو إسرائيل اليوم وفق ما تعكسه قراءاتها في الصحافة العبرية وتقاطعات استطلاعات الرأي الداخلية، وكأنها تدخل مرحلة أمنية جديدة لا تقوم على إنهاء الحروب، بل على إدامتها وإدارتها ضمن سقف مفتوح من الاشتباك متعدد الجبهات. انتقالٌ لا يقتصر على تحديث الأدوات العسكرية، بل يطال جوهر العقيدة التي حكمت الدولة منذ تأسيسها، حين كان الحسم السريع هو الركيزة المركزية لأي مواجهة.
اليوم، تتقدم على هذا المفهوم مقاربة مختلفة: حرب بلا نهاية واضحة، وردع يتآكل تحت ضغط الواقع الميداني وتعدد الجبهات، من لبنان إلى سوريا وصولًا إلى إيران، في مشهد يعيد تعريف وظيفة القوة نفسها داخل المنظومة الإسرائيلية.
من عقيدة الحسم إلى إدارة الاشتباك الدائم
في ما تنشره الصحافة العبرية، وتحديدًا في قراءات معمقة أجراها "النجاح" لأبرز ما جاء في معاريف وهآرتس ويديعوت أحرونوت، يتبلور إدراك متزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن مرحلة الحروب القصيرة انتهت فعليًا، وأن ما تبقى هو إدارة صراع ممتد لا يخضع لمعادلة زمنية واضحة.
هذا التحول يُترجم عمليًا في الحديث عن وجود عسكري طويل الأمد في جنوب لبنان، بذريعة منع التهديدات وإعادة تشكيل البيئة الأمنية، بالتوازي مع نشاط عسكري متواصل في جنوب سوريا، يقوم على مبدأ المنع المسبق بدل الرد اللاحق.
لكن خلف هذا التوصيف الأمني، تتشكل معادلة مختلفة: الجيش يتحول من أداة حسم إلى جهاز إدارة يومية للاشتباك، في بيئة إقليمية لم تعد تسمح بانتصار نهائي أو انسحاب واضح.
التكنولوجيا: إعادة إنتاج الردع بأدوات جديدة
في موازاة هذا التحول العقائدي، تكشف يديعوت أحرونوت عن تسارع غير مسبوق في تطوير منظومات مواجهة الطائرات المسيّرة، عبر دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرادار منخفضة الكلفة، بما يسمح برصد تهديدات باتت جزءًا من المعركة اليومية.
غير أن هذا التطور، رغم طابعه التقني، يعكس حقيقة أعمق: الردع الإسرائيلي لم يعد قائمًا على التفوق الكاسح، بل على محاولة مستمرة لاحتواء تهديدات تتكاثر بدل أن تتراجع. أي أن التكنولوجيا هنا لا تعيد إنتاج التفوق بقدر ما تعيد ترتيب الهشاشة.
جنوب سوريا: أمن بلا تسوية وواقع بلا أفق
في جنوب سوريا، ترسم هآرتس صورة ميدانية تتجاوز البعد العسكري المباشر. توغلات متكررة، نقاط مراقبة، وحواجز مؤقتة تمتد إلى عمق القرى، تحت عنوان منع التهديدات.
لكن ما يظهر على الأرض هو حالة استقرار قسري هش، يعيش فيها السكان بين وجود عسكري متقدم وغياب أي أفق سياسي أو جدول زمني للانسحاب. وهنا تتسع الفجوة بين الرواية الأمنية الإسرائيلية، والواقع الاجتماعي الذي يتشكل تحت هذا الثقل العسكري المستمر.
استطلاعات INSS: تآكل سردية النصر داخل إسرائيل
في الداخل الإسرائيلي، لا تبدو الصورة أكثر تماسكا. إذ يكشف استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS) عن انقسام واضح في تقييم نتائج المواجهات الأخيرة، بما يعكس اهتزازًا في سردية الانتصار الحاسم.
ففي ما يتعلق بالجبهة الإيرانية، لا تتجاوز نسبة من يرون أن إسرائيل حققت نتائج حاسمة أو في طريقها إليها 37%، مقابل اتساع دائرة التشكيك بجدوى النتائج النهائية، وهو ما يعكس تراجعًا في الإجماع حول فعالية القوة.
وعلى الجبهة الشمالية، يتجلى تناقض لافت: دعم لتوسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله، إلى جانب تأييد لإقامة منطقة أمنية داخل لبنان، لكن دون قناعة راسخة بأن هذه الأدوات قادرة على إنتاج حسم فعلي.
هكذا يتحول الحسم نفسه من هدف مركزي إلى مفهوم مضطرب، يخضع لإعادة تعريف داخل المجتمع الإسرائيلي، بدل أن يكون حقيقة سياسية أو عسكرية مستقرة.
الخريطة السياسية: سيولة تعكس أزمة بنيوية
على المستوى السياسي الداخلي، يكشف استطلاع قناة 12 عن مشهد حزبي غير مستقر، يعكس بدوره عمق التحولات الجارية داخل المجتمع الإسرائيلي.
الخريطة السياسية لم تعد ثابتة، بل أقرب إلى حالة سيولة دائمة، تتراجع فيها الكتل التقليدية لصالح قوى جديدة وشخصيات ذات خلفية أمنية وعسكرية، في مؤشر على إعادة تشكيل مراكز الثقل السياسي.
لكن الأهم من الأرقام، هو ما تعكسه: نظام سياسي يتحرك دون توازنات مستقرة، ويعيد إنتاج نفسه في ظل انقسام حول الحرب، والقيادة، وحدود القوة.
حرب بلا نهاية
تكشف هذه المعطيات مجتمعة أن إسرائيل لا تعيد فقط صياغة أدواتها العسكرية، بل تعيد تعريف مفهوم الدولة الأمنية ذاته. فالمعادلة التي كانت تقوم على الحرب ثم الحسم ثم العودة إلى الاستقرار تتآكل لصالح نموذج جديد: حرب ممتدة تُدار بلا نهاية واضحة، وردع يُعاد ترميمه باستمرار دون أن يستعيد صلابته السابقة.
وبين الجبهات المفتوحة من لبنان إلى سوريا، وبين الداخل السياسي المتقلب، يتراجع اليقين الإسرائيلي القديم بأن القوة قادرة على فرض الحسم، لصالح واقع أكثر تعقيدًا: إدارة أزمة طويلة الأمد في بيئة إقليمية لم تعد تعترف بنهايات حاسمة.