غزة - النجاح الإخباري - في كل عام، يوافق الثامن من أيار/مايو اليوم العالمي لمرضى الثلاسيميا، وهي مناسبة تهدف إلى تسليط الضوء على معاناة المصابين بهذا المرض الوراثي المزمن، وتعزيز الوعي بأهمية التشخيص المبكر، والفحص الطبي قبل الزواج، وضمان حصول المرضى على الرعاية الصحية والعلاج اللازم. وفي فلسطين، يكتسب هذا اليوم بعدًا إنسانيًا أكثر قسوة، خاصة في قطاع غزة، حيث تحوّلت رحلة العلاج لمرضى الثلاسيميا إلى معركة يومية من أجل البقاء في ظل الحرب والانهيار الصحي المستمر.
ويُعد مرض الثلاسيميا من أمراض الدم الوراثية المزمنة، إذ يؤدي إلى انخفاض مستوى الهيموغلوبين في الجسم، ما يتسبب بفقر دم حاد يستدعي نقل دم دوريًا مدى الحياة، إلى جانب استخدام أدوية طاردة للحديد للتخلص من تراكم الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة.
وبحسب جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا، يبلغ عدد مرضى الثلاسيميا المسجلين في فلسطين حاليًا نحو 854 مريضًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينهم 237 مريضًا داخل قطاع غزة، في وقت يتلقى فيه عدد من المرضى العلاج خارج القطاع، خاصة في مصر والإمارات وتونس وتركيا.
وأكدت أمين سر جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا جهاد أبو غوش، للنجاح الإخباري، أن مرضى القطاع يعيشون أوضاعًا صحية “كارثية”، في ظل النقص الحاد في الأدوية الأساسية، خاصة الأدوية الطاردة للحديد مثل “الدفيرال” و”الإكسجيد”، إضافة إلى صعوبة توفير وحدات الدم، وتراجع إمكانيات المتابعة الطبية والمخبرية.
وأوضحت أبو غوش أن 50 مريضًا بالثلاسيميا توفوا في قطاع غزة منذ بداية الحرب، مشيرة إلى أن 12 حالة منهم استشهدوا جراء القصف المباشر، بينما توفي الباقون نتيجة غياب العلاج والرعاية الصحية ونقص الأدوية والتغذية المناسبة.
الصحة في غزة أكدت بدورها أن عدد مرضى الثلاسيميا في القطاع كان يبلغ 334 مريضًا عند بداية الحرب، قبل أن ينخفض إلى 237 مريضًا حاليًا، بعد وفاة 50 مريضًا ومغادرة 47 حالة القطاع للعلاج في الخارج. وبينت الصحة أن من بين المرضى الحاليين 52 طفلًا تقل أعمارهم عن 12 عامًا، و185 حالة فوق 12 عامًا.
ويواجه الأطفال المصابون بالثلاسيميا في غزة أوضاعًا أكثر خطورة، نتيجة سوء التغذية، وضعف المناعة، والنزوح المتكرر، والعيش داخل الخيام، إلى جانب الحاجة المستمرة لنقل الدم والعلاج الدوري. كما أن تدمير جزء كبير من البنية الصحية والمختبرات، وشحّ المواد المخبرية ووحدات الدم، فاقم من معاناتهم الصحية والنفسية.
وأشار مدير عام مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية إلى أن مرضى الثلاسيميا في غزة “يخوضون معركة بقاء حقيقية”، مؤكدًا أن الطواقم الطبية تواصل العمل رغم انهيار المنظومة الصحية، من أجل توفير الحد الأدنى من الرعاية للمرضى، خاصة مع النقص الحاد في الأدوية ووحدات الدم.
وفي جانب آخر من الأزمة، حذرت جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا من ارتفاع أعداد الولادات الجديدة المصابة بالمرض خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت فلسطين قد سجلت في عام 2013 شبه انعدام في الولادات الجديدة بفضل برامج الفحص الطبي قبل الزواج.
وأرجعت الجمعية هذا الارتفاع إلى تراجع الالتزام بإجراءات الفحص الطبي قبل الزواج، خاصة في قطاع غزة، نتيجة انهيار المنظومة الصحية والحرب، إضافة إلى زيادة حالات الزواج التي لم تمر بالإجراءات الطبية المعتادة.
وأكدت أبو غوش للنجاح، أن الجمعية تعمل حاليًا، بالتعاون مع مؤسسات صحية ومجتمعية، على إعادة تفعيل حملات التوعية بأهمية الفحص الطبي قبل الزواج، لتجنب ولادة حالات جديدة، في ظل صعوبة توفير العلاج والإمكانيات الطبية اللازمة للمرضى الحاليين.
وطالبت المؤسسات الصحية والحقوقية المحلية والدولية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة، من خلال توفير الأدوية الطاردة للحديد، وضمان إدخال المستلزمات الطبية ووحدات الدم، ودعم المراكز الصحية التي تقدم خدماتها للمرضى، إضافة إلى توفير برامج دعم نفسي وغذائي لهم، خاصة للأطفال.
وفي ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، يبقى مرضى الثلاسيميا في غزة من أكثر الفئات هشاشة، بين نقص العلاج وصعوبة الحياة اليومية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من كارثة صحية قد تؤدي إلى مزيد من الضحايا ما لم يتم التدخل بشكل عاجل.