النجاح الإخباري - لم تعد الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية مجرد أرقام في الموازنات أو سجالات سياسية حول أموال المقاصة، بل تحولت، وفق ما تنقله وسائل إعلام عبرية، إلى أزمة تمس حياة مئات آلاف الفلسطينيين بشكل مباشر، مع تراجع قدرة القطاع الصحي على توفير الأدوية والعلاجات والخدمات الأساسية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب في غزة وتتسع تداعياتها إلى مختلف الأراضي الفلسطينية، تتحدث تقارير إسرائيلية عن ضغوط غير مسبوقة تواجه المستشفيات والعيادات وموردي الأدوية في الضفة الغربية، وسط تحذيرات من اتساع دائرة المتضررين وارتفاع المخاطر التي تواجه المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.
أدوية مفقودة وديون متراكمة
وأوردت صحيفة هآرتس العبرية، في تقرير أعدته الصحفية عميرة هس، أن جهاز الصحة الفلسطيني يواجه واحدة من أصعب أزماته منذ سنوات، في ظل تراكم ديون وزارة الصحة الفلسطينية للموردين والمستشفيات الخاصة إلى نحو 2.6 مليار شيكل.
وبحسب التقرير، فإن هذا الرقم يقترب من إجمالي الميزانية التشغيلية لوزارة الصحة الفلسطينية لعام 2025، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على توفر الأدوية والعلاجات الأساسية داخل المستشفيات والعيادات الحكومية.
وذكرت الصحيفة أن مخازن الوزارة وصيدلياتها باتت تحتوي على نحو 260 صنفًا دوائيًا فقط من أصل 1260 صنفًا كانت الوزارة توفرها بصورة منتظمة، بينما تواجه أدوية السرطان والكلى والعلاجات المنقذة للحياة نقصًا متزايدًا.
إضرابات وإغلاق مئات العيادات
وجاء في التقرير أن الأزمة المالية دفعت الأطباء وطواقم التمريض العاملين في القطاع العام إلى تنفيذ إضرابات احتجاجًا على استمرار صرف رواتب منقوصة وغير منتظمة منذ سنوات.
ووفق المعطيات التي أوردتها هآرتس، فقد شمل الإضراب مئات العيادات التابعة لوزارة الصحة، ما أدى إلى تراجع الخدمات المقدمة للنساء الحوامل والأطفال وذوي الإعاقة وطلبة المدارس، بينما باتت المستشفيات الحكومية تركز بشكل أساسي على الحالات الطارئة والعلاجات المنقذة للحياة.
وتحدث عاملون في القطاع الصحي للصحيفة عن وضع وصفوه بأنه "على حافة الانهيار"، في ظل تراجع الموارد وتزايد الطلب على الخدمات الطبية.
المستشفيات الخاصة تحت الضغط
وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على القطاع الحكومي، بل امتدت إلى المستشفيات الخاصة والمؤسسات الصحية غير الحكومية التي تستقبل آلاف المرضى المحالين من وزارة الصحة.
ووفق التقرير، اضطرت بعض المؤسسات الطبية إلى تقليص النفقات وخفض الرواتب، في حين أصبح المرضى مطالبين أحيانًا بالمساهمة في تغطية تكلفة بعض المواد الطبية اللازمة للعمليات الجراحية أو شراء أدويتهم من السوق الخاصة.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين في قطاع الأدوية أن قدرة الشركات الفلسطينية على الاستمرار في تزويد الوزارة بالأدوية بالدين أصبحت محدودة، نتيجة تراكم المستحقات المالية عليها.
أموال المقاصة في قلب الأزمة
وتربط الصحافة العبرية بين التدهور الحاصل في القطاع الصحي الفلسطيني وبين استمرار حجز أجزاء من أموال المقاصة الفلسطينية.
وتقول هآرتس إن احتجاز إيرادات الضرائب والجمارك الفلسطينية، إلى جانب تراجع النشاط الاقتصادي وفقدان عشرات آلاف العمال الفلسطينيين مصادر دخلهم بعد منعهم من العمل داخل إسرائيل، ساهم في تعميق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية وانعكس على مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة.
وفي هذا السياق، ذهبت هيئة تحرير هآرتس في مقال افتتاحي منفصل إلى اعتبار أن استمرار هذه السياسة يقود إلى إضعاف منظومة الصحة الفلسطينية بشكل تدريجي، محذرة من تداعيات ذلك على الاستقرار الإنساني والاجتماعي في الضفة الغربية.
الحواجز والإغلاقات.. عبء إضافي
ولم تتوقف الصحيفة عند الجانب المالي فقط، بل سلطت الضوء على تأثير الإغلاقات العسكرية والحواجز المنتشرة في الضفة الغربية على عمل الطواقم الطبية وحركة سيارات الإسعاف.
ووفق ما نقلته عن أطباء ومسؤولين في مؤسسات صحية فلسطينية، فإن صعوبة التنقل وإغلاق الطرق تؤدي إلى إطالة زمن الوصول إلى المرضى والمستشفيات، وتزيد من الأعباء التشغيلية على المؤسسات الصحية التي تعاني أصلًا من ضائقة مالية خانقة.
كما أشارت إلى أن بعض المرضى يضطرون إلى تغيير مساراتهم العلاجية أو تأجيل مراجعاتهم الطبية بسبب ارتفاع تكاليف التنقل وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية.
مخاوف من انعكاسات اجتماعية أوسع
وتشير التقارير العبرية إلى أن الأزمة الصحية باتت تتجاوز حدود المستشفيات والعيادات، لتلامس البنية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية بأكملها.
فمع تراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع معدلات البطالة وتآكل الخدمات العامة، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الفقر وتراجع إمكانية الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة.
ويرى مراقبون أن استمرار الضغوط المالية على السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع تداعيات الحرب الإقليمية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، قد يدفع القطاع الصحي في الضفة الغربية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا خلال الأشهر المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتأمين التمويل وضمان استمرار الخدمات الأساسية.
بين السياسة والصحة
وفي خلاصة المشهد، تبدو الأزمة الصحية في الضفة الغربية، وفق الصورة التي تعكسها الصحافة العبرية، واحدة من أبرز تجليات التداخل بين السياسة والاقتصاد والواقع الإنساني الفلسطيني.
فبين ديون متراكمة، ونقص متزايد في الأدوية، وإضرابات متواصلة، وصعوبات في الحركة والوصول إلى العلاج، يجد المرضى أنفسهم في مواجهة تحديات متصاعدة، بينما يظل مستقبل القطاع الصحي مرهونًا بقدرة المؤسسات الفلسطينية على تجاوز أزمتها المالية، وبالمتغيرات السياسية والاقتصادية التي تتحكم بمصادر تمويلها واستمرارية عملها.