النجاح - تبنت السلطة الفلسطينية سياسة جديدة في التواصل مع الجانب الأمريكي، وهي نقل رسائلها بشكل مباشر الى الرأي العام الأمريكي متخطية بذلك الإدارة الامريكية الرسمية التي بات الفلسطينيون مقتنعون تماما بانها لا تسعى الى إيجاد حل للصراع في الشرق الأوسط، بل لتعزيز وتقوية موقف دولة الاحتلال على حساب الفلسطينيين في كل المجالات.

وتعتقد دوائر الحكم في السلطة الفلسطينية أن الرأي العام الأمريكي هو الأقرب الى تفهم قضيتها، والوقوف الى جانبها ربما، في خطوة لاحقة متقدمة، على العكس من الإدارة الامريكية التي حسمت موقفها في تحيز سافر وعلني للاحتلال.

وفي ذات الوقت، يمنح تكتيك "الرأي العام الأمريكي" الفلسطينيين هامشا للالتفاف على إدارة ترامب، التي قاطعتها السلطة الفلسطينية منذ أشهر، وتحديدا في شهر كانون اول 2017، منذ ان اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقال حسام زملط، رئيس بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، ان لدى الفلسطينيين اجماع على جدوى الاستراتيجية الجديدة، وان مهمتهم في واشنطن تسعى من الان فصاعدا إلى تعزيز العلاقة مع الشعب والرأي العام الأمريكي، بدلا من "إضاعة الوقت" في محاولة إصلاح العلاقات مع البيت الأبيض.

وقال سفير دولة فلسطين في الولايات المتحدة الأمريكية حسام زملط: "إن العمل الفلسطيني مع الأمريكيين كان طيلة الوقت يتم وفق نهج من أعلى إلى أسفل، اما الآن فقد أصبح من الواجب قلب المعادلة ليصبح التعامل مع الأمريكيين وفق نهج من أسفل إلى أعلى، وتجاهل الإدارة الامريكية، من خلال العمل مع المنظمات الفلسطينية، والمنظمات الامريكية الصديقة للفلسطينيين، في جميع أنحاء الولايات المتحدة".

ووصف زملط التحول السياساتي الفلسطيني في التواصل مع الأمريكيين بأنه وسيلة جديدة لخلق "استمرارية للسلام"، وعدم اماتته، من خلال المجموعات التي تدعم حقوق الفلسطينيين في أوساط الشعب الأميركي.

وأضاف المبعوث الفلسطيني في واشنطن، انه قام في الآونة الأخيرة، بترتيب جولات في الضفة الغربية لوفود أمريكية من الحاخامات اليهود الأرثوذكس، كي يتمكنوا من مشاهدة ما يحدث على الأرض بالفعل، وما يعانيه الفلسطينيون من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. وأضاف، "خلال وجودي في الولايات المتحدة، لاحظت تغييرات كبيرة بين الشباب الأمريكي، في الآونة الأخيرة، تجاه معاناة الشعب الفلسطيني".

وأضاف انه تجول في العديد من الجامعات الامريكية، ملقيا خطابات ومحاضرات، حول القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. وانه كثيرا ما شعر، وهو مع الطلبة الأمريكيين، انه يجتمع مع "مجموعات التضامن مع الفلسطينيين". وفي الوقت الذي يتلقى رئيس وزراء الاحتلال، نتنياهو، ترحيبا حارا في الكونغرس والبيت الأبيض، يراهن زملط أن نتنياهو لا يمكن ان يجد مصل هذا الترحيب في العديد من الجامعات الأمريكية.

وأضاف، "نحن نشهد تغييرات في المجتمع المدني الأمريكي، وفي الكنائس، وفي المجموعات الأفريقية، واللاتينية، وكذلك تغييرات على الساحة السياسية الأمريكية. ولهذا اضطرت وسائل الإعلام الرسمية، والقريبة من دوائر الحكم، الى الدفاع عن نفسها، وعن وجهات نظر الإدارة، في وجه وسائل الإعلام الاجتماعي التي تتوخى الحقيقة حيال الشعب الفلسطيني". ومن المفارقات، يبدو أن أعضاء إدارة ترمب مضطرون الى اتباع مسار مماثل للدفاع عن نفسها.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، اشترك كبير مستشاري ترمب، جاريد كوشنر، والممثل الأمريكي الخاص الى المفاوضات، جيسون غرينبلات، والسفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، ديفيد فريدمان، في كتابة مقال في صحيفة "ذي واشنطن بوست"، دعوا فيها الشعب الفلسطيني إلى إيجاد طريقة للخروج من "الحلقة المفرغة الميتة" التي يعيش فيها، والابتعاد عن "التدمير والعنف والبؤس البشري" الذي يعانيه الفلسطينيون. كما دعا ثلاثتهم حركة حماس إلى نبذ ما أسموه "العنف"، والاعتراف بحق "إسرائيل في الوجود".

وجاء في مقالتهم: "إن العالم يسير قدما، والوقت يمضي، لكن الخيارات السيئة التي تجابه الفلسطينيين، تدفعهم إلى التراجع أكثر وأكثر".

وخلال شهر حزيران هذا العام، أجرى كوشنر مقابلة حصرية مع "صحيفة القدس" الفلسطينية، واسعة الانتشار في الأراضي الفلسطينية. وقد أكد كوشنر من جديد "أن ترمب على استعداد للعمل مع الرئيس محمود عباس، في حال كان الرئيس عباس على استعداد للعب الكرة"، وفق مصطلح الكاتب.

وقال كوشنر إن خطة السلام التي يعدها البيت الأبيض، والتي رفضتها السلطة الفلسطينية، ستكون جاهزة "قريبا"، وستعلن الى الجمهور الفلسطيني.

وفي تعقيبه على تصريحات كوشنر، قال زملط ان كوشنر "يحاول تجاوز القيادة الفلسطينية، غير ان كل هذا سيفشل. وقد قمت شخصيا بزيارة مدن وقرى فلسطينية مختلفة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وتأكدت ان كل الناس يدركون ان ما يقوم به الأمريكيون ما هو الا مسعى جدي لتصفية حقوقهم، بدلا من العمل على انصافهم وتحقيق تطلعاتهم".

كما وصف زملط المسعى الأمريكي الموجه نحو "إعادة تأهيل" قطاع غزة بأنه محاولة لزرع إسفين عميق بين السلطة الفلسطينية وحماس. وقال: "إذا خُيّر سكان غزة بين كرامتهم وبين وعدهم بالمال، فسيختارون بالتأكيد كرامتهم، فقضيتنا سياسية وليست خيرية. ويجب على أي طرف يحاول شق الفلسطينيين الاطلاع على خطابات الرئيس عباس ليدرك مدى الإصرار الفلسطيني على صد المؤامرات".

وقال ليؤر أكرمان، المحلل السياسي والعسكري الإسرائيلي، أنه عندما تتواصل الحكومات عبر وسائل الإعلام، بدلا من الحديث المباشر مع بعضهم البعض، فهذا يعني ان احتمال الوصول إلى حلول ذات مغزى ما هو الا احتمال ضئيل".