رجب ابو سرية - النجاح - لا تكتفي حركة «حماس» بالتشبث بالانقسام الذي أوقعته بالواقع الفلسطيني، منذ أكثر من أربعة عشر عاماً، بل تصر ما بين فينة وأخرى، على إثارة التوتر الداخلي، باختلاق المشاكل الميدانية، التي تزيد من إحباط الشارع الفلسطيني، كلما ارتفع منسوب التفاؤل والأمل بين صفوفه، أو بين مواطنيه. وحقيقة الأمر، أن كل ما تقوم به «حماس» وتفعله، ليس اعتباطاً، وليس خارجاً عن المخطط المحسوب بدقة، فحتى واقعة منع رمز الوطنية الفلسطينية، الذي ربما يجيء في المرتبة الثانية بعد العلَم، ونقصد به الكوفية في جامعة الأزهر، والتنكيل بالطلاب الوطنيين الذين يضعونها بفخر فوق رؤوسهم، لم يحدث هكذا خارج السياق، كما أنه ليس مرتبطاً فقط، بإلقاء الرئيس محمود عباس خطاب فلسطين الأممي السنوي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بل إن «حماس» ومنذ أيام وحتى أسابيع وهي تحضر لحملة تشهير بالسلطة الوطنية، كان أحد تجلياتها ما قال به أحد قادتها الذين لا أحد يسمع عنهم شيئاً، إلا حين يبدؤون بكيل السباب والشتائم للوطنية الفلسطينية، التي تذكر بما نشؤوا عليه منذ أيام المجمع، ونقصد به مشير المصري، حين اعتبر بأن وجود السلطة في الضفة الغربية يكبح جماح المقاومة!
إذاً القصة باختصار، هي أن «حماس»، كما حليفها اليمين والأمن الإسرائيليان، تعتقد بأن أيام السلطة باتت معدودة، وأنه آن الأوان، لتحضير البديل الجاهز، وهو حركة حماس، لتحل محل السلطة في الضفة الغربية، كما فعلت قبل نحو عقد ونصف في قطاع غزة، ولأن «حماس» تدرك جيداً، بأن ذلك لن يكون دون رعاية واهتمام إسرائيلي، فهي تتقدم، كما لو كانت حركة طالبان فلسطين، فإن كانت طالبان أفغانستان قد سيطرت على الحكم بمساعدة ورعاية أميركا، فإن «حماس» تقدم نفسها لتكون في فلسطين مثل طالبان، جاهزة لتولي السلطة، بما يخدم مصلحة إسرائيل.
ما يؤكد كل هذا الظن، رغم قسوته التي تبدو كذلك للبعض، هو أنه كلما تقدمت السلطة في صراعها السياسي مع إسرائيل نحو منصة الهجوم، كلما تحركت «حماس» لتقدم خدماتها ضد السلطة، وواضح بأن إسرائيل غير قادرة على تلقي ضربتين من إدارة جو بايدن في نفس الوقت، ونقصد بهما، التوصل لاتفاق يعيد العمل بالاتفاق النووي مع إيران، وانطلاق العملية السياسية حول إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس، و»حماس» من حيث هي باتت ومنذ خمسة عشر عاماً، معنية بقطاع غزة فقط، فهي تعتبر نفسها في خلاف مع إسرائيل حول ترتيبات الحدود، وحسن الجوار الممكن عبر اتفاقية هدنة، كما فعلت الدول العربية بعد عام 48، أما الضفة الغربية والقدس، فهما شأن السلطة وحركة فتح، حيث الصراع مع إسرائيل هناك، صراع كسر عظم، لا مجال فيه للتسوية على أساس البرنامج الوطني.
أولا لا بد من حل الإشكال بين إسرائيل و»حماس»، المتعلق بالحصار وإنهاء مسألة الأسرى والمعتقلين، ومن ثم «حماس»، وليس الأردن ولا مصر، ستكون جاهزة للتفاوض مع إسرائيل، بعد سقوط السلطة، التي ستدخل حالة صعبة ما بعد الرئيس الموحِد لأجهزة أمن ومؤسسات السلطة وحتى حركة فتح، ومن ثم للكل الوطني، وذلك من خلال تقاسم الضفة الغربية، ما بين «الكيان الفلسطيني» في غزة، وما بين إسرائيل، ذلك أن التفاوض بين الضفة وإسرائيل، لن يكون إلا على أساس حدود 67، أما حين يجري بين غزة وإسرائيل، فسيجري على أساس «تقاسم الكعكة»، و»حماس» لم تتورط يوماً بالإعلان الصريح عن رفض أي حل لا يستند على حدود 67، بل هي ومنذ أن سيطرت على قطاع غزة، وبرنامجها يقتصر على فك الحصار، والتمنع عن المشاركة في المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، والادعاء بأن ذلك إما مسؤولية «فتح» والسلطة، أو أن السلطة تكبح جماح المقاومة، وتقصد بالطبع الشكل الوحيد الذي تحشر فيه المقاومة وهو المقاومة المسلحة، التي تعتبر المدخل لتقوية جناحها العسكري حتى يكون جاهزا للسيطرة، كما فعل بغزة.
وبحجة المقاومة، تقمع حماس/السلطة كل فعل شعبي أو مشاركة، وذلك قد انطبق على مسيرات العودة، وكذلك على كل ما تقوم به في غزة، من تصعيد عسكري، لتبقي سيطرتها على القطاع، وهي لا تعرف تقاليد الانتخابات التي تقلل من سيطرة النخبة وتزيد من الفاعلية الشعبية، وهي لم تفكر يوما في إجراء أي انتخابات محلية أو نقابية في قطاع غزة وحسب، بل ها هي تتورط في إعلان موقفها الرافض لإجراء الانتخابات المحلية في عموم الوطن الفلسطيني، والتي من شأنها أن ترفع من منسوب الرقابة والمشاركة الشعبية في الحكم، وتعلل ذلك الموقف بشكل مضحك، وهو أنها تريد انتخابات عامة تشريعية ورئاسية !
وكأن فتح والسلطة والرئيس لا يريدون ذلك، وهذا كان دائما مطلبهم لإنهاء الانقسام، ولتأهيل الحالة الفلسطينية للاستقلال، وهي تتوافق في هذا مع إسرائيل تماما، التي تمنع إجراء هذه الانتخابات، ولو كان الأمر غير ذلك، فإننا نتحدى «حماس» أن تخرج وتعلن قبولها إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية دون القدس، وفي ظل التدخل الإسرائيلي في نتائجها.
تقدم «حماس» إذاً في هجومها هذه الأيام على شخص الرئيس وعلى السلطة، الخدمةَ لإسرائيل لصد الهجوم السياسي الفلسطيني، المدعوم بدولتي الجوار العربي، مصر والأردن، والذي تبلور بالدعوة لإطلاق العملية السياسية، وهذا أمر لا تريده لا «حماس» ولا إسرائيل هذه الأيام، فهما تريدانه، لاحقاً، أي حين يصبح الواقع الفلسطيني أكثر ضعفاً وجاهزاً لقبول الحل الممكن أو المتوقع بين إسرائيل وحماس، وكل التحرك باتجاه إتمام صفقة تبادل الأسرى، تهيئ الظروف لمثل هذا المفاوضات القادمة، ولكن ليس الآن .
و»حماس»كانت دائماً هي الخيار التفاوضي المفضل لإسرائيل، حتى في عمليات تبادل الأسرى، حيث كانت تنتهي بإطلاق مئات من المعتقلين، الذين سرعان ما تعيد إسرائيل اعتقالهم وفق سياسة الباب الدوار، كما أن «حماس»تفاوض دون البرنامج السياسي، وعبر الوسطاء، وهناك عراب جاهز، للتوسط في نهاية المطاف كما حدث بين طالبان وأميركا، والصورة باتت واضحة تماماً، فرد إسرائيل على المبادرة العربية وعلى الموقف الأميركي، هو بدفع التفاوض على جبهة غزة، وذلك كبديل عن التفاوض حول إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة، والخلاف بين «حماس» وإسرائيل تكتيكي، فـ «حماس» تريده أن ينتهي بفك الحصار، وإسرائيل تريده أن يحرر أسراها، وخارج معادلة اللعبة الإقليمية مع إيران.