نابلس - عبد الغني سلامة - النجاح - أن تكون صورة إسرائيل في الإعلام الصهيوني، والأميركي على أنها واحة الديمقراطية، ودولة متحضرة خالية من الفساد، وتقاتل دفاعاً عن نفسها.. فهذا شيء متوقع، ذلك لأن هذه الصورة هي التي حرص الإعلام الصهيوني على إظهارها (كذباً وخداعاً)، لأنها ركيزة أساسية لتثبيت وجود إسرائيل السياسي، وتلقيها الدعم الغربي.
وأن تكون صورة إسرائيل في إعلام الدول العربية المطبعة، بما في ذلك الإعلام الرسمي وأطروحات بعض الصحافيين والمحسوبين على الوسط الثقافي.. على أنها دولة ديمقراطية، ومحبة للسلام، وتستحق الحياة، ومتطورة تكنولوجياً، وأن الصورة السابقة لها والتي نشؤوا عليها كانت ظالمة ومتجنية ومنحازة.. فهذا شيء متوقع بالنسبة لأنظمة تريد تبرير انبطاحها، وخيانتها، وتبعيتها المطلقة لأميركا، خاصة في زمن العهر العربي الرديء، ومتوقع من إعلاميين متملّقين، يسوّقون سياسات أنظمتهم بلا ضمير، أو من منطلق الانبهار بنموذج لا يعرفون عنه شيئاً سوى صورته الظاهرة، أو التي يريدون تخيّلها لتبرير خوائهم، واستلابهم الفكري، أو لتمرير الصفقات التجارية والسياسية على حساب شعب مظلوم ومضطهد.
أما ما هو غير متوقع، ومستهجن أن يقوم إعلاميون ومثقفون عرب (بمن فيهم فلسطينيون) بتسويق تلك الصورة الزائفة لإسرائيل.. يقومون بذلك إما نكاية بالسلطة الوطنية، التي يعارضونها سياسياً، أو يرونها سلطة فاسدة، ومستبدة.. وإما إعجاباً بالنموذج الإسرائيلي في الإدارة والحكم والشفافية والبناء والتنمية.. أو للتشدق والاستعراض الفارغ والأجوف باعتبارهم مثقفين معتدلين، موضوعيين، عادلين بحكمهم!
وهذه نلحظها أكثر عند بعض اليساريين، وخاصة الملحدين واللادينيين، الذين تحرروا من سطوة الدين، أو بعبارة أدق من الخطاب الإعلامي العربي والإسلامي التقليدي المعادي لإسرائيل، ورأوا أن هذا الخطاب، وتضمينه للبعد الديني في فهم الصراع فيه ظلم لليهود والإسرائيليين! وإنكار لبعض الإيجابيات ومظاهر التفوق (الأخلاقي) و(الحضاري) الإسرائيلي، التي رأوها ولم يروا سواها! خاصة بعد مقارنتها بالصورة السلبية للواقع العربي والفلسطيني.
على أي حال، لندع الطرف الفلسطيني على جهة، ولنتجاهل كل المظالم التاريخية التي تعرض لها، منذ النكبة، وحتى اليوم، ولنعتبر جدلاً أن الفلسطينيين لم يجيدوا إدارة الصراع، وأنهم شعب بدائي، قبلي، أنتج ثورة فاشلة، ونظاماً سياسياً فاسداً.. ولنسلط الضوء فقط على الجانب الإسرائيلي، لنحكم على صوابية تلك الأطروحات.
وبداية لنقرّ بفشل الخطاب الإعلامي العربي (الرسمي والحزبي) الذي قدم صورة غامضة عن إسرائيل، هذه الصورة طُبعت في مخيلة أجيال كاملة بحيث تخيلت إسرائيل دولة عملاقة، متطورة جداً، لا قِبل لهم بها، وأنَّ اليهود جنس متفوق، لهم صفات جينية مختلفة.. أو أنّ إسرائيل كيان هش، وبيت من كرتون سيتهاوى بمجرد زحف الجيوش العربية صوبها.. أو توصيفها بِـ»إسرائيل المزعومة»، أو «الدولة المسخ»، أو»شُذّاذ الآفاق».. حتى أن البعض كان ينكر وجودها، ولا يستطيع تصورها، ويتعامل معها كما لو أنها حالة عارضة طارئة، ستختفي في غضون سنوات، أو في بضعة عقود.
كلا الخطابين قدم صورة غير صحيحة ومضللة عن إسرائيل.. والحقيقة أن إسرائيل مثل أي كيان سياسي ينطوي على مظاهر إيجابية وأخرى سلبية، والحديث هنا عن المجتمع والنظام السياسي، مع الإقرار بعدم شرعيته، وأنه كيان غاصب ومحتل.. ولكن، قبل أن نسترسل في ذكر الجوانب الإمبريالية والتوسعية والعدوانية واللاإنسانية واللاأخلاقية في المشروع الإسرائيلي، لنذكر بعض سمات دولة إسرائيل والتي نقرّ (من باب الموضوعية) بإيجابياتها.. وخاصة من وجهة نظر أولئك المتفلسفين والمتشدقين بموضوعيتهم..
لدى إسرائيل نظام «شبه ديمقراطي».. أو يمتلك أهم مكونات الديمقراطية: قضاء قوي، لديه سلطة حبس رئيس الدولة أو رئيس الوزراء إذا تورط بقضايا فساد (كتساف، أولمرت).
ولديها أيضا صحافة قوية، تمنح مساحة واسعة من حريات التعبير (باستثناء القضايا التي تقرر بشأنها أجهزة الأمن)، ونظام تداول سلس للسلطة، وإجراء الانتخابات في مواعيد لا تقبل التأجيل.  
تراعي إسرائيل حقوق بعض الأقليات، مثل البهائيين، الذين للأسف لم تستوعبهم أي دولة عربية، وحقوق المثليين خلافاً لجميع الدول العربية (باستثناء لبنان)، هذا إذا اتفقنا على أن حماية حقوق المثليين باتت معياراً لتطور المجتمعات.
الآن لنسأل؛ هل يمكن الجمع بين الديمقراطية والعنصرية والعدوانية.. لننظر إلى ممارسات إسرائيل تجاه فلسطينيي الـ48، وتجاه اليهود الشرقيين والفلاشا والمهاجرين الجدد، والتي حسب تقرير «بيتسيلم» (ممارسات أبارتهايد)، وسلوكها تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يتسم بالعدوانية المفرطة، ويفتقر لأبسط القواعد الإنسانية.
القضاء الإسرائيلي مسيّس، وظالم تجاه الفلسطينيين خاصة، يحكم على الفلسطيني بالمؤبد حتى لو كانت تهمته إلقاء حجارة، وعلى الإسرائيلي بالبراءة حتى لو أدين بحرق عائلة، أو اقتراف مجزرة!
الإعلام الإسرائيلي رغم عناصر قوته، إلا أنه يخضع للأجهزة الأمنية، وهو إعلام موجه، وأيديولوجي، وإذا استثنينا نسبياً صحيفة «هآرتس» سنجده بوقاً للحكومة، مكرساً لخطاب الكراهية، والتحريض على الفلسطينيين، وصناعة الخوف من الخطر الخارجي المزعوم.
صحيح أن المجتمع الإسرائيلي ديناميكي ومتطور؛ ذلك لأن المؤسسين الأوائل قدموا من أوروبا، بعد أن عاشوا فيها أجيالاً متواصلة، وخبروا تطوراتها الفكرية وإرهاصات نهضتها؛ فأتوا ومعهم خلاصة الحضارة الأوروبية، كانوا متعلمين، لذلك، أدركوا منذ البدايات أهمية العلم، وأهمية بناء المؤسسات.. ولكن لا يجوز نزع هذه الصورة عن السياق الاستعماري الذي أتت فيه إسرائيل، ولا عن دورها الوظيفي في خدمة الإمبريالية.
دون أن ننسى مجتمعات الحريديم التي تضطهد المرأة، وتحتقرها، والجماعات الدينية المتعصبة واليمينية التي لا علاقة لها بالعصر الحديث، وما زالت تؤمن بالخرافات الدينية.. وهذه التجمعات باتت تشكل الأغلبية في إسرائيل.
أما مزاعم حقوق الإنسان، فتلك كذبة مكشوفة، تكفي نشرة أخبار واحدة لتفضحها، يكفي تجول دقائق في القدس، أو ساعة في السيارة لتظهر مئات الحواجز التي تمتهن كرامة الإنسان، ويكفي جدار الضم، وحملات التهجير القسري، وهدم البيوت، والاغتيالات، وقصف المدنيين، والمداهمات الليلية، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، ونهب موارد المياه، والتنكر للقانون الدولي.. وتلك الممارسات العدوانية التي ترقى إلى جرائم حرب، تكشف صورة إسرائيل الحقيقية لمن أراد العدالة والموضوعية..
يكفي رصد ردة الفعل الإسرائيلية الهستيرية تجاه المحكمة الجنائية الدولية، لندرك مدى تيقنها من تورطها بجرائم ضد الإنسانية، وضد القانون الدولي..
النضال ضد الصهيونية، هو نضال ضد الظلم والعدوان والعنصرية، والانحياز لفلسطين هو انحياز للعدل والحق والقيم الإنسانية.