نابلس - عبد الغني سلامة - النجاح - ها هو القرن الحادي والعشرين يتم عقدين كاملين ولم نلحظ أي بوادر لتغيير إيجابي ممكن أن يجلب السعادة والسلام للعالم، ولم نشهد ظهور فلسفات إنسانية جديدة تتناسب مع إيقاع العولمة والتكنولوجيا وثورة المعلوماتية (سمات هذا العصر)، أو تعالج تداعياتها على البشرية.
وخلافاً للقرن الحالي، فقد بدأ القرن العشرون بدايات واعدة ومبشرة، على الصعيد الفكري والفلسفي والإنساني، لكنه سرعان ما أصيب بانتكاسات متتالية، جعلت منه قرناً دموياً وعنيفاً بامتياز، بدءاً بالحرب العالمية الأولى ثم الثانية، ثم الحرب الباردة، التي دامت حتى العقد الأخير من القرن، وشملت كل الكوكب، وما تخللتها من مئات الحروب الإقليمية والأهلية، والتي سقط فيها عشرات الملايين من البشر.
بيد أنه في الوقت ذاته، وبينما كانت الصراعات تنشب في كل مكان، لم يتوقف إنتاج الفكر والفلسفة والإبداع في شتى المجالات، سيما الإنسانية منها، وهذه الإنتاجات والفلسفات لم تكن كلها بالضرورة إيجابية وتنويرية وتقدمية، بل إن منها ما كان عنصرياً ورجعياً وذميماً.. فطالما ارتبطت الفلسفة بسياقاتها التاريخية، لتعبر عن بيئتها وزمانها، وبالتالي كانت قيمتها تتحدد بحسب مقدار فاعليتها العملية في محيطها، وفي تأثيرها الإنساني.
في مستهل القرن العشرين ظهرت الماركسية اللينينية، والتي بنت الاتحاد السوفياتي، ودانت لها ثلاثة أرباع الأرض، وقد نشأ أيضاً على هامشها التروتسكية، والستالينية، والجيفارية، والماوية.. والجرامشية، إذا جاز التعبير، باعتبار جرامشي أحد أبرز المجددين في الفكر والثورة الاشتراكية والذي قدم رؤى مختلفة وغير تقليدية للفلسفة الماركسية.
كما ظهرت الأيديولوجيات الشمولية مثل النازية، والفاشية، وبعض التطبيقات المتطرفة للشيوعية، كما حدث في الصين وكمبوديا.. إلى جانب صعود الحركات القومية واليمينية، والتي تحولت إلى نظم دكتاتورية.. خاصة في الوطن العربي والعالم الثالث. ودون أن ننسى الصهيونية التي جلبت المصائب للعالم.
كما ظهرت البراغماتية، وهي وإن كانت قد ظهرت مع صعود الرأسمالية؛ إلا أن «وليم جايمس» الذي عاش في القرن التاسع عشر وتوفي في القرن العشرين، يعتبر الأب الروحي للفلسفة البراغماتية والنفعية.
وكرد وتمرد على نتائج الحرب العالمية ظهرت «الوجودية»، والتي طورها «سارتر» و»ألبير كامو»، إلى جانب العبثية والعدمية والهيبيز والثورة الجنسية.. وكذلك: البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية، والحداثية، وما بعد الحداثية.. وأغلب هذه الفلسفات انعكست في مجالات الفن والرسم والنحت والسينما والرواية.
في المجال الاقتصادي ظهرت الليبرالية، ومقابلها الاشتراكية. و»الكنزية»، والتي تطورت إلى نظم دول الرفاه في أسكندنافيا واليابان، ثم ارتدت إلى الرأسمالية المتوحشة في الدول الصناعية، ثم النيوليبرالية.. الآخذة بالتمدد، حتى في الدول النامية.
في آخر عقدين من القرن العشرين، بدأت موجة عالية من الإسلام السياسي تكتسح المنطقة، ضمن مسار تصاعدي سيمتد حتى العقد الثاني من القرن التالي.. وسيأخذ تمظهرات عديدة ومتباينة، وبعضها عنيف جداً، بدأت الظاهرة في الشرق الأوسط، ثم امتدت إلى بقية دول العالم. وتلك الموجة نتاج لفكر منظري الإسلام السياسي، وأبرزهم: أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.
تلك أبرز المحطات والأسماء التي لا يمكن فهم القرن العشرين من دونها. على صعيد متصل، وفي سياق ذكر أبرز فلاسفة ومفكري القرن العشرين، والذين أثروا فيه، نذكر «فرويد» ونظرياته في علم النفس، و»جورج أورويل» وروايته الأشهر 1984 التي انتقدت الاستبداد وتنميط المجتمع، و»باولو فريري» ونظريته في التعليم التحرري، و»برتراند راسل» المناهض للحرب والفقر والظلم، والجشع الرأسمالي والتوحش الدولي، و»نعوم تشومسكي»، المساند لقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والناقد الأبرز لسياسات أميركا الخارجية، و»ميشيل فوكو»، وهو من أبرز من تناول مواضيع الجندر والجنسانية والطبيعة الإنسانية، و»هايدغر»، الذي أجاب عن أسئلة القلق والوجود والحياة بعيداً عن الميتافيزيقيا.
ولكن كما ذكرنا، ليست كل الأفكار خيّرة؛ فقد برز معسكر المحافظين الجدد، نذكر منهم: «فوكوياما» صاحب نظرية نهاية التاريخ، و»صاموئيل هنتنغتون» صاحب نظرية صدام الحضارات، و»توماس بارنيت» مطور نظرية الفوضى الخلاقة، و»برنارد لويس» مهندس تقسيم الشرق الأوسط الجديد.. وهؤلاء جميعاً أميركيون.
في المنطقة العربية ظهر عبد الرحمن بدوي، وطه حسين، وجورج طرابيشي، وعلي الوردي، ومالك بن نبي، وإدوارد سعيد، وهشام شرابي، والطاهر الحداد، وفي مجالات الأدب ظهر نجيب محفوظ ومحمود درويش وأدونيس، وفي العلوم برز فاروق الباز وأحمد زويل وآخرون.
هذا النشاط الإنساني أخذ يظهر ويتطور في كل مكان، وفي كل ميدان، في الفكر السياسي والفكر الديني، والعلم والاقتصاد والأدب.. وقد باتت الفلسفة ميداناً لصراع هذه المنوعات المتعددة.. هذا الصراع كان يهدم من جهة، ويبني من جهة أخرى، فمثلاً في مقابل الدول التوليتارية ظهرت دولة المواطَنَة، والدولة المدنية، والنظم الديمقراطية. ومقابل الأيديولوجيات الشمولية، ظهرت فلسفة حقوق الإنسان. ومقابل الاستعمار والإمبريالية ظهرت حركات التحرر الوطني، والثورات التقدمية، التي تدعو للحرية والعدالة الاجتماعية. ومقابل العنصرية ظهر مارتن لوثر كنغ، ومالكوم إكس، ومانديلا. وظهرت الحركات النسوية ومنظمات حقوق المرأة.
ولكن، مع قرب نهاية القرن العشرين أخذ التفكير الفلسفي يواجه مأزقاً جديداً؛ فمع التطورات الهائلة في العلوم الطبيعية الحديثة، ومع الثورة التكنولوجية والمعلوماتية بكل تداعياتها أخذت الفلسفة تفقد تدريجياً مكانتها وسلطتها، وتُستبعد من مجالات كثيرة، ولم تعد تُسيطر على كل جوانب المعرفة.. وكما قال ستيفن هوكنغ: «الفلسفة تموت بسبب عجزها عن مواكبة التطورات»، أو ما يمكن تسميته احتضار الإبستمولوجيا.
وهكذا، دخلنا القرن الحادي والعشرين ومعنا نفس الأسئلة الوجودية، دون إجابات حاسمة، وأضيفت إليها تعقيدات التحول إلى العولمة، والرقمنة، والثورة المعلوماتية.. وهذه بحاجة إلى فلسفات عميقة وجديدة تستجيب وتتفاعل وتعالج تداعياتها السلبية على الإنسان، وأنماط حياته، وعلى بيئته.. هذا على مستوى العالم.
أما في العالم العربي فما زالت الانغلاقات المزمنة والأفكار الأحفورية كما هي منذ مئات السنين.. لذا نحن بأمسّ الحاجة لتفكيك البناء القديم المهترئ، لأنه بناء متكلس، ومعيق، ولا يمكن تشييد المشروع الحضاري العربي إلا بعد تفكيكه، وإزاحته.. ومن ثم البناء على أنقاضه.
في أوروبا مثلت الفلسفة التفكيكية عملية تحريرية، وقد مورست بكل جرأة وصرامة حتى انتهت في النصف الثاني من القرن العشرين، ولم يعد هناك ما يفكك.. بينما في المنطقة العربية ما زالت فلسفة التغيير والتجديد والتفكيك تحبو ببطء، وتُحارب بلا هوادة من قبل سدنة المعابد، ومن قبل السلطات، والقوى التقليدية.
لذلك، لا أمل بالمستقبل قبل تفكيك القديم وتعريته وتحريرنا من ضغطه وإرهابه النفسي.