النجاح الإخباري - بعد أكثر من عامين من حربٍ مدمّرة على قطاع غزة، خلّفت عشرات آلاف الشهداء ودمارًا واسعًا وصفته لجانٌ أممية ومنظمات حقوقية دولية بالإبادة الجماعية، ينتقل الاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة لا تقلّ خطورة، تقوم على تحويل القطاع إلى ما يشبه المختبر الميداني لإعادة هندسة السيطرة والسكان والسلطة في آنٍ واحد.
وتكشف قراءة متقاطعة لما تنشره الصحافة الإسرائيلية، خصوصًا في "يسرائيل هيوم" و”تايمز أوف إسرائيل”، عن ملامح هذا المشروع السياسي–الأمني الواسع، الذي يجري بلورته لإعادة صياغة واقع القطاع، عبر مقاربة تتجاوز إدارة ما بعد الحرب إلى هندسة تدريجية للسيطرة والسكان والسلطة معًا.
المناطق الإنسانية
فبحسب تقرير نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" للكاتبة شيريت أبيطان كوهين، يجري التحضير لإطلاق مشروع تجريبي تحت مسمى "مجلس السلام"، يقوم على إنشاء مناطق إنسانية داخل قطاع غزة لا تخضع لسيطرة حركة حماس، على أن تُدار بغطاء دولي وبمشاركة قوات متعددة الجنسيات.
رفح الأولى
وتشير الخطة، وفق الصحيفة، إلى أن أولى هذه المناطق ستقام في منطقة تل السلطان قرب رفح، حيث يُنقل مدنيون "غير مسلحين ولا تربطهم صلة بحماس"، في إطار نموذج تدريجي يهدف إلى إعادة توزيع السكان داخل جيوب محددة، تفصل بين المدنيين والبنية التنظيمية للحركة.
قوات دولية
وبحسب التقرير نفسه، ستُنشر قوات متعددة الجنسيات تحت إدارة "مجلس السلام" داخل قواعد خاصة قرب القطاع، مزودة بوسائل "غير نارية" لضبط الأمن داخل المناطق الإنسانية، في حين يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفق الصياغة الواردة، تثبيت وجوده الميداني وتعميق سيطرته في مناطق خارج هذه الجيوب.
فصل الحاضنة
وتشير "يسرائيل هيوم" إلى أن الهدف المعلن يتمثل في "فصل حماس عن السكان قطعة قطعة"، عبر إدخال مساعدات طبية وغذائية بشكل مباشر إلى هذه المناطق، بما يعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة القائمة في غزة.
البند 17
وفي السياق ذاته، يذهب التقرير إلى أن البنية التنفيذية للمشروع تشمل إنشاء مخازن لوجستية في محيط قطاع غزة، لتأمين إدارة المساعدات وتنظيم حركة المدنيين، بالتوازي مع ما تصفه الصحيفة بأنه "تطبيق عملي للبند 17 من خطة ترامب"، الذي يفتح الباب أمام إعادة إعمار مؤقتة في مناطق خالية من سيطرة الحركة.
إعادة التعريف
لكن هذا التصور، رغم طابعه الإداري، يحمل في جوهره إعادة تعريف لسلطة الحكم داخل القطاع، إذ يُفترض أن يتم منع إدخال مواد إعادة إعمار تقليدية، مقابل الاكتفاء بمساكن مؤقتة وخدمات أساسية، بما يحول المناطق الجديدة إلى فضاءات معيشية مؤقتة لا سياسية.
الضغط المركب
في المقابل، تكشف "تايمز أوف إسرائيل" في تحليل للكاتب أمير بار شالوم أن هذه المقاربة تأتي ضمن استراتيجية ضغط مركّبة على حركة حماس، تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: تصعيد العمليات الجوية والاغتيالات، توسيع السيطرة الميدانية الإسرائيلية على الأرض، ومحاولة دفع احتجاجات داخلية في غزة لتقويض سلطة الحركة من الداخل.
وتشير الصحيفة إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى هذه المعادلة باعتبارها وسيلة لإخراج حماس من "منطقة الراحة"، عبر الجمع بين الضغط العسكري والسياسي والإنساني في آن واحد، مع الإبقاء على سقف العمليات دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
السيطرة الميدانية
وتضيف "تايمز أوف إسرائيل" أن الجيش الإسرائيلي يواصل في الوقت نفسه توسيع نطاق السيطرة الميدانية في القطاع، وسط تقديرات تفيد بالتمسك بواقع أمني جديد يمنع عودة الحكم السابق، حتى في حال التوصل إلى ترتيبات انتقالية.
تحذيرات داخلية
لكن هذه الرؤية لا تخلو من اعتراضات داخلية في إسرائيل نفسها، إذ تنقل "يسرائيل هيوم" عن جهات من محيط غلاف غزة تحذيرات من أن مشاريع "المناطق الإنسانية" قد تتحول إلى بيئات غير مستقرة، وتعيد إنتاج نفوذ حركة حماس بصيغ مختلفة، بدل تقليصه، خصوصًا إذا لم تُحسم المعركة العسكرية بشكل كامل.
إدارة هجينة
وبين مقاربة ترى في "الهندسة الإنسانية" أداة لتفكيك سلطة حماس تدريجيًا، وتحذيرات تعتبرها إعادة تدوير لمشهد السيطرة تحت مسميات جديدة، يُدفع قطاع غزة نحو نموذج إدارة هجينة، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الإدارة الدولية والسكان المعاد توزيعهم، في صيغة لم تتبلور ملامحها النهائية بعد.
وفي المحصلة، لا تبدو الخطة المطروحة مجرد ترتيب إغاثي أو إنساني، بل مشروعًا لإعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية للقطاع تحت سقف السيطرة الميدانية الإسرائيلية، وضمن هندسة دولية ما تزال قيد التشكل. وبهذا المعنى، يتحوّل ما تعرضه الصحافة العبرية بوصفه إدارةً لمرحلة ما بعد الحرب إلى امتدادٍ لمنطق الحرب نفسه بأدوات مدنية، يُختبر على الأرض قبل أن تُحسم ملامحه النهائية.