النجاح الإخباري - في وقت تتواصل فيه الانتقادات الدولية لسلوك دولة الاحتلال وسياساتها القائمة على القوة المفرطة، لا تزال تل أبيب تحاول إعادة إنتاج رواية «الضحية» المحاطة بالأعداء والمهددة بالوجود في كل لحظة. 
فبعد أحداث السابع من أكتوبر، باتت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى تضخيم السيناريوهات الافتراضية وتوسيع دائرة التهديدات المحتملة، حتى في ظل غياب أي معطيات استخبارية تدعمها.
ويبدو أن طرح سيناريو «إيلات 7 أكتوبر» مؤخراً يندرج ضمن هذا السياق؛ إذ لا يعكس وجود خطر وشيك بقدر ما يعكس محاولة لتكريس صورة إسرائيل كدولة تعيش تحت تهديد دائم، بما يبرر سياساتها الأمنية ويعزز سرديتها التقليدية أمام الرأي العام الدولي بأنها محاصرة من جميع الجهات ومضطرة للبقاء في حالة استنفار مستمر.
وبينما تؤكد تقارير إسرائيلية أن أجهزة الاستخبارات لا تمتلك مؤشرات فعلية على وجود مخطط هجومي يستهدف إيلات، تتواصل داخل المؤسسة الأمنية نقاشات تقوم على افتراضات وسيناريوهات مستقبلية أكثر من استنادها إلى معطيات ميدانية، في مؤشر على التحول الذي أصاب العقيدة الأمنية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، حيث بات الخوف أداةً لإدارة المشهد بقدر ما أصبح جزءاً من المشهد نفسه.

وتظهر قراءة تحليلية أجراها موقع “النجاح الإخباري” في الإعلام العبري، حالة من الجدل والقلق تصل إلى إعادة صياغة مفهوم “الجبهة الداخلية المعرّضة للخطر”، خصوصاً في مدينة إيلات جنوباً وعلى امتداد الحدود الشرقية مع الأردن، وفق تقارير صحيفة هآرتسعن العبرية.

وأوردت الصحيفة العبرية، في تقرير للصحفي يهوشع (جوش) براينر، أن ما يسمى رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي دافيد زيني طرح في مداولات مغلقة سيناريو وصفه بعض المسؤولين بـ”إيلات 7 أكتوبر”، محذراً من احتمال تعرض المدينة لهجوم مركّب قد يبدأ بتوغل بري عبر الحدود الأردنية، مع احتمال امتداد مسارات التنفيذ عبر البحر، في حال تبلور تهديد متعدد الأطراف.

ووفق “هآرتس”، فإن زيني دفع باتجاه وضع هذا السيناريو في صدارة أولويات التقدير الاستخباري، انطلاقاً من ما يعتبره “هشاشة جغرافية” تتمثل في العزلة النسبية لمدينة إيلات، وبعدها عن مراكز الثقل الأمني والعسكري الإسرائيلي.

لكن التقرير ذاته يعكس في المقابل وجود انقسام واضح داخل المؤسسة الأمنية، إذ تشير مصادر متعددة إلى أن جهات استخبارية وأمنية تعرب عن تحفظات جدية على هذا الطرح، معتبرة أنه لا يستند إلى معلومات عملياتية أو إنذارات استخبارية ملموسة، وإنما إلى تقديرات تحليلية موسعة لسيناريوهات مستقبلية محتملة.

وفي هذا السياق، نقلت “هآرتس” عن مصادر أمنية أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) لا يمتلك حتى الآن أي مؤشرات استخبارية تدعم وجود خطة هجومية محددة، مؤكداً أن ما يجري هو جزء من “إعادة فحص شاملة لمجموعة التهديدات” في مختلف الساحات.

جريمة منظمة

وتشير القراءة الإسرائيلية، كما تعكسها التسريبات، إلى أن المؤسسة الأمنية باتت تميل إلى توسيع مفهوم التهديد ليشمل ليس فقط الجبهات العسكرية التقليدية، بل أيضاً ما تصفه بـ”المساحات الهجينة” التي تتداخل فيها العوامل الجغرافية والاجتماعية والجنائية، وهو ما يظهر في النقاش المتصاعد حول التركيبة السكانية في إيلات، وانتشار الجريمة المنظمة والاستثمارات العقارية غير التقليدية.

وفي المقابل، تكشف هذه النقاشات عن حالة من التوتر داخل الجهاز الأمني بين مقاربة “الاستعداد الوقائي الاستباقي” التي يدفع بها بعض القيادات، وبين مقاربة “التحقق الاستخباري الصارم” التي تطالب بعدم تضخيم سيناريوهات غير مدعومة ببيانات ميدانية.

وتذهب “هآرتس” إلى أن هذا الجدل يعكس في جوهره أثر التحولات التي فرضتها أحداث السابع من أكتوبر على العقل الأمني الإسرائيلي، حيث باتت المؤسسة تميل إلى إعادة تعريف مفهوم المفاجأة الاستراتيجية، وتوسيع نطاق احتمالاتها حتى في مناطق كانت تُصنف سابقاً على أنها هادئة أو بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.

وفي خلاصة المشهد، يمكن قراءة التحذيرات المتداولة حول إيلات باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل عميقة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، تقوم على مبدأ “عدم استبعاد أي سيناريو”، حتى لو كان منخفض الاحتمال، في ظل بيئة إقليمية تتسم بتعدد الفاعلين وتداخل الساحات من الجنوب (غزة واليمن) إلى الشرق (الأردن والعراق).

وهكذا، لا تبدو إيلات في الخطاب الأمني الإسرائيلي مجرد مدينة حدودية، بل تتحول تدريجياً إلى اختبار استراتيجي لقدرة المنظومة الأمنية على استيعاب تهديدات غير تقليدية، في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، حيث تتقدم المخاوف على اليقين، والسيناريوهات على المعطيات.