النجاح - راقب العالم مساء اليوم الاثنين ظاهرة كونية نادرة، سيتمكن فيها سكان الولايات المتحدة من رؤية كسوف كلي  للشمس بوضوح عند منتصف اليوم الإثنين بالتوقيت المحلي للبلاد.

وسيسود الكسوف باقي مناطق الولايات المتحدة وأمريكا الوسطى وشمال أمريكا الجنوبية وكندا، ويمكن مشاهدته في بعض الدول الواقعة غرب أوروبا مثل بريطانيا والنرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال.

وعلى مر التاريخ ومنذ آلاف السنين قام الناس من جميع أنحاء العالم بدراسة ظاهرة كسوف الشمس، ومن الصعب أحياناً رسم الخط الفاصل بين الأساطير والعلوم، ولكن التاريخ حفظ أمثلة مثيرة للاهتمام لمساهمات العلماء في هذا التقليد الطويل من مراقبة الكسوف.

الكسوف والسياسة عند الصينيين القدماء

يعود أول تأريخ صيني لظاهرة الكسوف إلى الـ22 من تشرين الأول/ أكتوبر العام 2137 قبل الميلاد، عندما كشفت التسجيلات الرسمية أن “الشمس والقمر لا يستطيعان العيش بسلام في السماء”.

وكانت هذه أول ظاهرة كسوف شمس تم تسجيلها في كتب التاريخ، وفي الواقع تعقب أحد العلماء حالات كسوف الشمس الـ916 التي وقعت منذ العام 2137 قبل الميلاد إلى العام 1789 ميلادي في الأدب الصيني.

وربط الصينيون القدماء بين الكسوف والسياسة؛ وأدى فشل أحد علماء الفلك في توقع كسوف الشمس الذي وقع في العام 2137 أو 2110 قبل الميلاد إلى إسقاطه من على عرش إحدى القبائل القوية، لذلك قد يكون فشله في التنبؤ بالكسوف مجرد حجة مريحة للتخلص منه.

وفسر المراقبون الخصائص الفيزيائية المختلفة للكسوف الشمسي، مثل مدى رؤية الهالة وهي الطبقة الخارجية للشمس التي تكون مرئية خلال الكسوف، من أجل استخلاص استنتاجات مختلفة عن مصير القادة السياسيين، ومن ثم يضغط التقليد على القادة للاعتراف بالتكهنات السماوية، حيث قال أحد العلماء: “عند حدوث الكسوف كان يفترض على الإمبراطور التفكير بالخطأ أو الشر الذي قام به للشعب ومن ثم تصحيحه بطريقة مناسبة، وبطبيعة الحال لم يكن هذا أكثر من مجرد لفتة “.

وبحلول العام 200م، يقول بعض المؤرخين إن علماء الفلك الصينيين أصبح بإمكانهم التنبؤ ببعض حالات الكسوف الشمسي، على الرغم من أن توقعاتهم لم تكن دقيقة حتى حوالي القرن الثاني عشر بحوالي 30 دقيقة.

بابل

لا يزال أثر اهتمام البابليين بالسماء ملموساً إلى اليوم وذلك في كل مرة نعد فيها الثواني والدقائق بالستين، وكانوا يراقبون الكسوف قبل القرن السابع قبل الميلاد ويتنبأون بها بحلول القرن الثالث قبل الميلاد.

واعتمدت تنبؤاتهم على ما أطلق عليه لاحقاً اسم دورات ساروس التي تحدث تقريباً كل 18 عاماً حيث تصطف الشمس والأرض والقمر على الخط نفسه بطريقة تؤدي إلى خلق كسوف للشمس في بقعة من الأرض.

وهذا يعني أنه كان باستطاعة البابليين التنبؤ بكسوف سيحدث ويظهر في مكان آخر على الكرة الأرضية دون تمكنهم من رؤيته، وكان باستطاعة البابليين المتأخرين التنبؤ بوقت الكسوف قبل بدئه بساعتين.

أستراليا

ويرى بعض الباحثين أنه منذ آلاف السنين، كان الأستراليون من السكان الأصليين يدرسون أيضا الكسوف والعلاقات الأخرى بين الشمس والقمر والأرض، ولكن بسبب الاستعمار والأضرار الثقافية التي جلبها، أصبح من الصعب معرفة وقت بدء ذلك وكيفية قيامهم بذلك.

وتأتي بعض الأدلة من القصص التقليدية المتناقلة عبر الأجيال وهي معارف يقول المؤرخون إنها تعود لأكثر من 50 ألف سنة، إضافةً إلى معلومات منحوتة على الحجارة وهو ما يصعب تأريخه.

ويعتقد العلماء أيضاً بأن القصص التفصيلية التي تقول بعض الثقافات الأصلية عن الشمس والقمر والعلاقة بينهما تشير إلى أنهم كانوا يتتبعون تحركات الشمس والقمر وفهموا الآليات وراء ظواهر مثل الكسوف.

أوروبا

وجهت الثقافات حول البحر الأبيض المتوسط القديم بما في ذلك الإغريق والرومان أنظارهم نحو الكسوف، بما في ذلك خلال معركة وقعت في القرن السادس ميلادي يزعم أن حدوث كسوف للشمس تسبب بإنهائها.

وقام الإغريق باختراع آلية “الأنتركيثيرا” في القرن الثاني الميلاد وهي آلة ميكانيكية قديمة استخدمت للحساب الفلكي تضمنت عدة لتتبع الـ223 شهراً ضمن دورة ساروس التي أوجدها البابليون.

وتؤكد المصادر الأدبية الإغريقية أنهم كانوا يشعرون بالفزع أثناء كسوف الشمس، وأشار “بلوتارخ” ما يمكن أن يكون أحد الأوصاف الغربية الأولى لإكليل الشمس الذي يظهر خلال الكسوف تقريباً في العام 71 ميلادي حيث ذكر عن لسان أحد المراقبين أن “هناك نوعا من الضوء يكون مرئيا حول حافة قرص الشمس خلال الكسوف يمنع الظلام من أن يكون عميقا ومطلقا”.

المتنورون وما بعدهم

استمرت مراقبة الكسوف في جميع أنحاء العالم العربي والأوروبي وخلال القرون الوسطى وإلى عصر النهضة لكن دون إحراز الكثير من التقدم الحقيقي في التقنيات والعلوم المرافقة لهم.

وبدأ التغيّر في أواخر القرن السابع والثامن عشر، خاصة بفضل ادمون هالي، عالم الفلك الذي درس أيضا المذنب الذي سمي على اسمه، هو المسؤول أيضاً عن تسمية دورات ساروس التي لاحظها البابليون قبل 2000 عام والتي تذكر تردد ترتيب الأجرام للكسوف كل 18 عاماً.

وفي العام 1715، تنبأ هالي بمسار كسوف شمس كلي وهو أول شخص يقوم بذلك عبر الحزام الكلي بأكمله، ورسم خريطة لمشاركة تلك المعلومات مع العامة من الناس، كانت الخريطة مشهورة جداً لدرجة إرسال مراقبين من أنحاء الأرض ملاحظاتهم حولها واستخدمها لتحديث وإعادة نشر الخريطة.

علم الكسوف الحديث

بالرغم من هذا التاريخ الطويل، فإن علم الكسوف الحديث ظهر فقط بشكل فعلي في فترة الستينيات من القرن التاسع عشر، وتم تسهيل الأمر مع ظهور التقنيات الجديدة مثل التصوير والتحليل الطيفي، الأمر الذي يعني أنه كان لدى العلماء القدرة على جمع ما يتجاوز البيانات المشاهدة.

وكانت أول صورة معروفة للكسوف الشمسي قد التقطت خلال كسوف 28 يوليو/ تموز 1851 في المنطقة التي تعرف اليوم باسم كالينغراد في روسيا، وكان المجال الجديد من الفيزياء الفلكية يعني أنه من الشائع دراسة الشمس النجم الأفضل للمراقبة من الأرض.

وكان عالم الفلك “بي جي سي جانسن” قد سافر إلى الهند لمشاهدة كسوف شمسي وقع العام 1868، وجلب معه أدوات التحليل الطيفي أيضاً، وتسنى له باستخدام هذه الأدوات أن يكسر أشعة الكسوف إلى أطوال موجية منفصلة، وتتشكل الأطوال الموجية الموجودة أو المفقودة بحسب التكوين الكيميائي لمصدر الطاقة المحترق في النجم.

الكسوف الأشهر

قد يكون الكسوف الأشهر من حيث النتائج العلمية هو كسوف 29 مايو/ أيار 1919، حين لاحظ عالم الفلك البريطاني آرثر أدنغتون انحناءً في الضوء بسبب قوة الجاذبية للشمس بطريقة تدعم نظرية آينشتاين للنسبية العامة وأثر الجاذبية في انحناء الزمكان.

وورد في وقت لاحق في عنوان رئيس في صحيفة “نيويورك تايمز” في ذلك العام “أشعة الضوء كلها منحنية في السماء.. رجال العلم أكثر أو أقل تشوقاً حول نتائج كسوف الشمس”.

وجلبت العلوم الحديثة أيضاً طرقاً جديدة ومدهشة لدراسة الكسوف الشمسي، فخلال فترة 3 أيام العام 1970، أطلقت ناسا 32 صاروخاً مزودة بصفوف من الأدوات العلمية، كلها بهدف دراسة الكسوف الكامل للشمس على طول الساحل الشرقي.

وفي العام 1973، امتدت رحلة خاصة لفترة 74 دقيقة، كان الهدف منها في الحقيقة مشاهدة كسوف الشمس، وكان يجب تعديل الطائرة لتكون النوافذ في سقفها، مما أدى إلى تقاعد الطائرة مبكراً.

مستقبل الكسوف

سيمثل هذا الحدث التاريخي آب تحديثاً لهذا العلم، وسيكتمل بكاميرات مثبتة على بالونات بارتفاع كبير مع بث حي ومباشر لمشهد رائع، ويحتضن المشاريع العلمية، ولن يكون ذلك نهاية القصة، حيث سيكون هناك وفقاً للحسابات 68 كسوفاً كاملاً للشمس خلال القرن الواحد والعشرين، لذا يجب المتابعة لما سيأتي لاحقاً.