النجاح الإخباري -  د. ياسر أبو بكر
في الحروب، يسبق الخبزُ كلَّ شيء، ويصبح الدواء أولوية، ويبحث الناس عن سقف يحميهم من الموت. لكن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنهار فقط عندما تجوع، بل عندما تتوقف عن تعليم أطفالها. فالمجتمعات لا تفقد هويتها حين تفقد أراضيها فقط، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العقول القادرة على ترميمها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين اليوم ليس: متى ستعود المدارس؟ بل: كيف نستمر في التعليم إذا لم تعد هناك مدارس؟ هذا السؤال لم يعد افتراضياً. فوفق تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرّضت 95% من مدارس قطاع غزة لأضرار متفاوتة، ودُمّرت 284 مدرسة بالكامل، وحُرم نحو 700 ألف طالب من التعليم المدرسي، إضافة إلى 88 ألف طالب جامعي. نحن لا نتحدث عن أزمة تعليمية عابرة، بل عن جيل كامل مهدد بفقدان حقه في التعلم.
لكن التجربة الفلسطينية تحمل مفارقة تستحق التأمل. لقد أثبتت الحركة الأسيرة الفلسطينية أن التعليم لا يبدأ بالمبنى، بل بالإنسان. ففي السجون، حيث مُنع الأسرى من أبسط وسائل التعلم، لم ينتظروا جامعة ولا قاعة دراسية، بل بنوا منظومة تعليمية ذاتية اعتمدت على التعليم بالأقران، وتقاسم المعرفة، وتحويل كل أسير يمتلك علماً إلى معلم. لم يكن ذلك تعويضاً عن المدرسة، بل إعادة تعريف لمعنى المدرسة نفسها.
لكن من الخطأ أن ننقل هذه التجربة بحذافيرها إلى أطفال غزة. فالأسير البالغ كان يمتلك دافعاً ذاتياً وخبرة حياتية ووعياً سياسياً يساعده على مقاومة اليأس، بينما يعيش الطفل اليوم صدمة النزوح، وفقدان الأسرة، والخوف المستمر. لذلك فإن الطفل لا يحتاج فقط إلى كتاب، بل يحتاج أولاً إلى من يعيد إليه الإحساس بالأمان، ثم يعيده تدريجياً إلى التعلم. وهنا تصبح قيمة التجربة الفلسطينية في مبادئها لا في تفاصيلها: الإرادة، التنظيم، والإيمان بأن المعرفة شكل من أشكال الحرية.

أولاً: الأسرة هي المدرسة الأولى والأخيرة في زمن الحرب
قبل أي مؤسسة، تبدأ حماية التعليم في الخيمة أو غرفة الإيواء. ففي غياب المعلم، تصبح الأم والأب الواجهة التربوية الأولى. يمكن للأم أن تحوّل الحكاية اليومية إلى درس في اللغة، والأب أن يروي حكاية مكان ليكون درساً في الجغرافيا والتاريخ. ليست الأسرة بحاجة إلى مناهج معقدة، بل إلى وعي بأن الكلمة، والحوار، والقراءة بصوت مرتفع، هي أدوات مقاومة نفسية قبل أن تكون أدوات تعليمية. لذا ينبغي أن تتضمن خطط الطوارئ كتيبات إرشادية موجّهة للأهل، تعلّمهم كيف يدمجون التعلم في روتين النزوح اليومي، وكيف يلاحظون احتياجات أطفالهم النفسية أثناء التعلم.

ثانياً: حلول ميدانية تناسب واقع الحرب، لا واقع المدن المستقرة
قد لا يكون الإنترنت متاحاً، وقد تنقطع الكهرباء أياماً طويلة، ولذلك فإن التعويل الكامل على التعليم الإلكتروني يبدو غير واقعي. المطلوب هو بناء منظومة تعلم مرنة تستخدم كل وسيلة ممكنة:
· كتيبات تعليمية ورقية مختصرة تُركّز على المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، بحيث يستطيع الطفل التعلم حتى في مركز الإيواء.
· حلقات تعلم صغيرة داخل مراكز النزوح، يقودها معلمون أو طلبة جامعيون متطوعون، بحيث لا تتحول المدرسة إلى مبنى، بل إلى مجموعة تعلم أينما وجد الأطفال.
· إذاعة تعليمية وطنية تبث دروساً قصيرة وقصصاً تربوية وبرامج دعم نفسي عبر الراديو؛ لأنه يظل أكثر الوسائل قدرة على الوصول عندما تغيب الكهرباء والإنترنت.
· نموذج "الرفيق التعليمي"، بحيث يساعد كل طالب أكبر سناً أو أكثر تقدماً طفلاً أصغر منه، وهو تطوير عملي لفكرة التعليم بالأقران، ولكن بصيغة تناسب الأطفال، فتجمع بين التعلم والدعم النفسي والاجتماعي.

ثالثاً: كيف نقيّم التعلم في غياب الأوراق والمختبرات؟
يظل التحدي الأكبر هو قياس الفاقد التعليمي وتعويضه. هنا لا يمكننا انتظار العودة إلى المقاعد الدراسية لتطبيق اختبارات تقليدية. يمكن الاعتماد على التقييم الشفهي الجماعي داخل الحلقات الصغيرة، حيث يطلب المعلم من الأطفال تلخيص ما تعلموه بأسلوب القصة أو الرسم البسيط. كما يمكن تصميم "بطاقة تقدم أسبوعية" يدوّن فيها الأهل والمعلم معاً ملاحظات بسيطة عن تطور الطفل في القراءة والعد، إلى جانب ملاحظات عن حالته النفسية وميله للمشاركة. هذا النوع من التقييم النوعي، وإن لم يكن دقيقاً إحصائياً، فهو كافٍ للحفاظ على استمرارية الزخم التعليمي ومنع الانقطاع الكلي، على أن يُعوّض الفاقد الأكاديمي لاحقاً بخطط مكثفة حين تسمح الظروف.

رابعاً: إعادة تعريف المعلم – قائد نفسي قبل أن يكون ناقلاً للمعلومة
المعلم في غزة لم يعد مجرد ناقل للمقرر الدراسي، بل أصبح قائداً تربوياً في ظرف استثنائي. وقد لا يكون سؤاله غداً: كيف أشرح الدرس؟ بل: كيف أعيد الطفل إلى الرغبة في التعلم؟ كيف أساعده على التعبير عن خوفه؟ كيف أحوّل قصة أو لعبة أو حواراً جماعياً إلى فرصة لاستعادة ثقته بنفسه؟ إن التعليم في البيئات القسرية يبدأ أحياناً بابتسامة، أو بقصة، أو بحوار، قبل أن يبدأ بكتاب. إن دمج الدعم النفسي، والمهارات الحياتية، والتعلم التعاوني، ليس إضافة إلى العملية التعليمية، بل هو جوهر نجاحها في الظروف القسرية.

خامساً: إعادة بناء التعليم لا تعني إعادة الحجر فقط
أما على المستوى الوطني، فإن إعادة إعمار التعليم يجب ألا تُختزل في إعادة بناء المدارس. فالمباني يمكن تشييدها خلال سنوات، أما الفاقد التعليمي والانقطاع عن التعلم فهي تحديات تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد. ولكن حين يحين وقت إعادة البناء، فلنكن أكثر حكمة ، فلا نعيد بناء مدارس ضخمة مركزية فقط، بل نؤسس لشبكة من مراكز التعلم المجتمعية الصغيرة والمنتشرة في الأحياء، لتكون أقرب إلى الناس وأقل عرضة للتعطيل الكلي عند أي طارئ. هذا النموذج اللامركزي يضمن أن أي قصف مستقبلي لا يستطيع أن يشل الحركة التعليمية بأكملها، كما يرسخ مفهوم أن التعليم مسؤولية مجتمعية لا تقتصر على وزارة التربية وحدها. المطلوب هو خطة تبدأ بالإنسان قبل الحجر، وتستثمر في تدريب المعلمين على التعليم في الطوارئ، وإعداد مناهج مرنة، وتأسيس وحدات للتدخل التربوي السريع، بحيث يصبح النظام التعليمي أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.
لقد أثبتت غزة، كما أثبتت الحركة الأسيرة قبلها، أن الاحتلال يستطيع أن يهدم مدرسة، لكنه لا يستطيع أن يهدم فكرة التعليم إذا آمن بها المجتمع. ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه اليوم هو أن المدرسة ليست المبنى الذي نغلق بابه عند الحرب، بل هي العلاقة التي نبنيها بين الإنسان والمعرفة. فإذا نجح الفلسطينيون في حماية هذه العلاقة، وأشركوا الأسرة في قلب المعادلة، وطوّروا أدوات تقييم بسيطة، وأعادوا تخيل إعادة الإعمار كمشروع مجتمعي لا مركزي، فإنهم لا ينقذون عاماً دراسياً فقط، بل ينقذون مستقبل وطن بأكمله. "فالحروب تُدمّر الحجر، أما التعليم فيعيد بناء البشر" ، وإذا كان مستقبل فلسطين سيُصنع يوماً، فلن يُصنع بالإسمنت وحده، بل بالعقول التي تواصل التعلم، حتى في أكثر البيئات قسوة.