النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر
 

حين يُغلق متجر لأسبوع، يمكن تعويض ما فاته بزيادة ساعات العمل. وحين يتوقف مصنع أياماً، يمكن رفع الإنتاج لاستدراك الخسارة. لكن التعليم لا يعمل بهذه الطريقة ، لأن ما يفقده الطالب خلال الانقطاع ليس عددًا من الحصص يمكن استعادتها بضغط المنهاج، بل تسلسلًا معرفياً، وعادات يومية، وعلاقات إنسانية، وثقة بأن اليوم الدراسي سيقود إلى غد يمكن توقعه.
لهذا، فإن وصف الأزمة التعليمية الفلسطينية بمصطلح " الفاقد التعليمي "  وحده لم يعد كافيا. فهذا المصطلح يتعامل مع المعرفة كما لو كانت كمية مخزنة نقص منها جزء، ثم يمكن ملء الفراغ بمزيد من الدروس والواجبات. أما ما يحدث في فلسطين فهو أعمق : نحن أمام زمن مدرسي مكسور.
والمقصود بكسر الزمن المدرسي أن يفقد الطالب استمرارية رحلته التعليمية. يبدأ موضوعًا ولا يكمله، ينتقل إلى تعليم إلكتروني ثم يعود جزئيًا إلى الصف، يتغير معلمه، أو يُهجّر من مكانه، أو يتعذر عليه الوصول إلى المدرسة، أو يدرس تحت ضغط الخوف والحاجة الاقتصادية. ومع كل انقطاع، لا يخسر معلومة فقط، بل يخسر الخيط الذي يربط ما تعلمه بالأمس بما يفترض أن يتعلمه غدًا.
في قطاع غزة، نشأ جيل بلغ سن المدرسة من دون أن يعرف المدرسة بوصفها مكانًا منتظمًا له جرس، وصف، ورفاق، ومعلم يتابعه كل يوم. وهناك طلبة انتقلوا نظريًا بين صفوف دراسية عدة، بينما لم يعيشوا فعليًا زمنًا تعليميًا متصلًا. وفي الضفة الغربية، لا ينفصل اليوم الدراسي عن احتمال الإغلاق، أو الحاجز، أو الاقتحام، أو تأخر المعلم، أو تقليص الدوام بسبب الأزمة المالية. وهكذا يتحول عدم اليقين من حادث استثنائي إلى جزء من بنية التعليم نفسه.
والخطأ الاستراتيجي هو أن نتعامل مع هذا الواقع كما لو أن الأزمة انتهت بمجرد فتح أبواب المدرسة. فالعودة إلى المبنى لا تعني بالضرورة العودة إلى التعلّم. قد يجلس الطالب في مقعده، لكنه يكون قد فقد أساسيات القراءة أو الحساب، أو قدرته على التركيز، أو ثقته بنفسه، أو شعوره بأن التعليم ما زال قادرًا على تغيير مستقبله.
توضح أبحاث علم النفس المعرفي أن الضغط المزمن لا يؤثر في مزاج الطالب فقط، بل في طريقة عمل الذاكرة والانتباه. فالدماغ المنشغل بتوقع الخطر يخصص جزءًا من طاقته للمراقبة والحذر، ويبقى لديه حيز أقل للفهم والتحليل. كما أن التعلم تحت الضغط يميل أحيانًا إلى أن يصبح أكثر جمودًا ، يحفظ الطالب خطوات محددة، لكنه يعجز عن استخدامها بمرونة في موقف جديد.
لذلك قد يكون أسوأ ما نفعله بعد الانقطاع هو إرغام الطالب على الجري خلف المنهاج القديم. ضغط المواد، وزيادة الواجبات، وتقريب الامتحانات، والتعامل مع الصف الدراسي باعتباره وحدة متجانسة، كلها إجراءات قد تعيد ترتيب الجدول، لكنها لا تعيد بناء التعلّم.
إن الطالب الذي لم يتقن القراءة في صف سابق لا تنفعه مطالبته بحفظ نصوص أكثر تعقيدًا، والذي فقد أساسيات العدد لا يستعيدها بمجرد الانتقال الإداري إلى صف أعلى. وعندما ندرّس الطالب وفق عمره المدرسي لا وفق مستواه الحقيقي، فإن الفجوة تتسع عامًا بعد عام، حتى يصبح وجوده في المدرسة شكليًا، بينما ينفصل داخليًا عن عملية التعلّم.
من هنا، تحتاج فلسطين إلى الانتقال من سياسة "تعويض الفاقد" إلى هندسة استمرارية التعلّم. والفرق بينهما جوهري: فالتعويض يفترض أن النظام مستقر وأن الأزمة عابرة، أما الاستمرارية فتنطلق من احتمال تكرار الانقطاع، وتصمم التعليم بحيث يستطيع الصمود أمامه.
أول مكونات هذه الهندسة هو تحديد حد وطني أدنى واضح للتعلّم في كل مرحلة. ليس من الواقعي، في ظل واقعنا، التعامل مع جميع مفردات المنهاج بالوزن نفسه. يجب تحديد المعارف والكفايات التي لا يجوز أن ينتقل الطالب من مرحلة إلى أخرى من دونها: القراءة والفهم، والكتابة، والحساب، والتفكير المنطقي، والقدرة على التعلم الذاتي، والمعرفة الوطنية الأساسية.
هذا لا يعني إفقار المنهاج، بل ترتيب الأولويات. فالمنهاج المزدحم الذي يُشرح بسرعة قد يبدو غنيًا على الورق، لكنه ينتج تعلمًا هشًا. أما المنهاج الذي يركز على الأساسيات ويمنح الطالب وقتًا لإتقانها، فإنه يبني قاعدة يمكن التوسع فوقها لاحقًا.
والمكون الثاني هو اعتماد تقويم تشخيصي مرن عند العودة إلى التعليم، لا امتحان هدفه تصنيف الطلبة أو معاقبتهم. نحن بحاجة إلى معرفة ما يستطيع كل طالب فعله فعلًا، لا الصف المكتوب على شهادته فقط. وبناء على ذلك، يمكن تشكيل مجموعات تعلم مؤقتة وفق المستوى، وتقديم برامج مكثفة في المهارات الأساسية، ثم إعادة دمج الطلبة تدريجيًا في مسارهم الطبيعي.
أما المكون الثالث فهو إنشاء "سجل تعلم متنقل" لكل طالب، ورقي ورقمي، يتضمن الكفايات التي أتقنها، وما يحتاج إلى استكماله، والمشروعات التي أنجزها، وأشكال الدعم التي تلقاها. يجب أن ينتقل هذا السجل مع الطالب إذا نزح، أو تغيرت مدرسته، أو انتقل بين التعليم الوجاهي والإلكتروني، حتى لا تبدأ تجربته في كل مرة من الصفر.
المكون الرابع هو ألا تبقى المدرسة هي النقطة الوحيدة التي يتوقف التعليم بانقطاع الوصول إليها. نحن بحاجة إلى شبكة موزعة للتعلّم تضم المدرسة، والمراكز المجتمعية، والمكتبات، والجامعات، والبلديات، والمنصات منخفضة الاتصال، والمواد المطبوعة والإذاعية. ليست الفكرة استبدال المدرسة، بل ضمان ألا تنهار العملية كلها إذا تعذر الوصول إلى المبنى.
لقد تعلمنا داخل سجون الاحتلال أن استمرارية التعلّم لا يصنعها المكان وحده. فقد كانت الزنزانة تتحول إلى حلقة دراسة حين يتوافر نظام واضح، وكتاب متداول، ومتعلمون يتبادلون الأدوار، وإرادة تربط المعرفة بهدف أكبر. كان الأسير يعرف ما الذي يدرسه، ومن يتابعه، ومتى يناقشه، وكيف ينتقل من مستوى إلى آخر، رغم أن البيئة كلها كانت مصممة لقطع الاستمرارية.
الدرس الذي تقدمه تلك التجربة ليس أن نستبدل المدرسة بالتعليم الذاتي ، بل أن جوهر الاستمرارية هو المحافظة على العلاقة والإيقاع والغاية. فالطالب يحتاج إلى شخص يعرفه ويتابع تقدمه، وإلى جماعة تعلم ينتمي إليها، وإلى برنامج يمكن استكماله حتى لو تغير المكان.
ومن هنا يأتي المكون الخامس: فرق استمرارية صغيرة في كل مدرسة ومجتمع، تضم معلمًا مرشدًا، وأخصائيًا نفسيًا أو اجتماعيًا حيث أمكن، وممثلًا عن الأسرة أو المجتمع المحلي. تتولى هذه الفرق متابعة الطلبة الأكثر عرضة للانقطاع، والتواصل معهم، وتوفير بدائل تعلم، ومنع تحول الغياب المؤقت إلى تسرب دائم.
كما يجب أن نتوقف عن قياس نجاح النظام بعدد الأيام التي فتحت فيها المدارس أو بنسبة النجاح في الامتحانات فقط. المؤشر الحقيقي هو: كم طالبًا حافظ على مسار تعلّم متصل؟ كم منهم أتقن المهارات الأساسية؟ كم طالبًا انقطع ثم استعدناه؟ وكم مدرسة تمتلك خطة بديلة جاهزة قبل وقوع الأزمة لا بعدها؟
إن بناء نظام فلسطيني لاستمرارية التعلّم لا يحتاج إلى نسخ نموذج أجنبي كامل، بل إلى الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة التي راكمها الفلسطينيون في المدارس والمخيمات والسجون والجامعات والمبادرات المجتمعية. فقد أنتج واقعنا أشكالًا متعددة من التعليم تحت الحصار والإغلاق والحرمان، لكنها بقيت غالبًا خبرات متفرقة، ولم تتحول بعد إلى عقيدة تربوية وطنية.
التحدي أمامنا ليس إعادة التعليم إلى ما كان عليه قبل الأزمة، لأن ما كان قائمًا أصلًا لم يكن مصممًا لمواجهة الانقطاع المزمن. المطلوب بناء نظام مختلف : أخف في منهاجه، أدق في تشخيصه، أكثر مرونة في مساراته، وأوسع في أماكن تقديمه، لكنه أشد صرامة في ضمان أن يتقن كل طالب الأساسيات.
فإعادة بناء المدارس ضرورة وطنية، لكنها لن تكون كافية ما لم نُعد بناء الزمن المدرسي نفسه، ذلك الخيط الذي يمنح الطفل انتظامًا، وعلاقة، وتقدمًا يمكن رؤيته، وثقة بأن ما يتعلمه اليوم لن يضيع مع الانقطاع القادم.
إن مستقبل التعليم الفلسطيني لن تحميه القدرة على تعويض كل حصة ضائعة، بل القدرة على تصميم تعلّم لا ينقطع بانقطاع الحصة، ولا ينهار بتغير المكان، ولا يترك الطالب يبدأ من الصفر كلما تبدلت الظروف.