نابلس - النجاح الإخباري -
في النقاش الدائر حول التحول التربوي في الصفوف الأولى، يبرز سؤال يبدو ماليا في ظاهره: هل تستطيع وزارة التربية والتعليم، في ظل الأزمة المالية الخانقة، أن تعود إلى طباعة الكتب المدرسية، بعد التوجه نحو مصادر التعليم المفتوحة والبدائل الرقمية والمطبوعة؟
السؤال مشروع، ولا يجوز تجاهل الكلفة في بلد يعاني نظامه التعليمي ضغوطا مالية غير مسبوقة. لكن الإدارة الرشيدة لا تسأل عن كلفة القرار وحدها، بل عن كلفة البديل أيضا. فكم تبلغ كلفة عدم طباعة الكتاب إذا أدى ذلك إلى ضعف أكبر في القراءة والكتابة والحساب، واتساع الفجوة بين الطلبة، وتحميل الأسرة أعباء الطباعة والأجهزة والاتصال، ثم اضطرت الوزارة بعد سنوات إلى تمويل برامج استدراك وتعليم علاجي لمعالجة ما كان يمكن الوقاية منه في الصفوف الأولى؟
في التربية، قد يكون الخيار الأرخص في الموازنة السنوية هو الأعلى كلفة على المدى البعيد.
فالخطأ الذي يقع في الصف الأول لا ينتهي بانتهاء السنة الدراسية. الطفل الذي لا يؤسس جيدًا في القراءة والكتابة والفهم ينتقل بالثغرة نفسها إلى الصف التالي، ثم تكبر الفجوة مع ازدياد تعقيد المواد، إلى أن نجد طالبا يصل إلى الثانوية أو الجامعة بشهادة تتقدم على كفايته الفعلية. عندها ندفع الثمن مرة أخرى: مساقات استدراكية، ودروس تقوية، وهدر في زمن المعلم، وتعثر جامعي، وضعف في قابلية الخريج للعمل.
ولهذا فإنني أتمنى أن تطرح الوزارة على نفسها سؤالًا اقتصاديًا وتربويًا في آن واحد: هل حسبنا كلفة طباعة الكتب وقارناها فعلًا بكلفة البدائل العلاجية التي قد نضطر إلى تمويلها بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ فالمقارنة العادلة ليست بين ثمن كتاب ورقي وملف إلكتروني مجاني، بل بين الكلفة الكاملة لكل نموذج وما ينتجه من تعلم وعدالة واستدامة.
وقد تابعت باهتمام ما سمعناه مؤخرًا من وزير التربية والتعليم العالي عن التوجه إلى طباعة الكتب للطلبة حتى الصف الرابع الأساسي. وإذا تُرجم هذا التوجه إلى قرار رسمي واضح، فإنه، في تقديري: خطوة إيجابية تستحق الدعم، ونأمل أن تكون بداية لمراجعة تربوية أوسع لا مجرد معالجة لوجستية.
ومن الضروري هنا التمييز بين ما سمعناه وما هو منشور رسمياً حتى الآن. فإعلان الوزارة في التاسع عشر من تموز 2026 ما زال يتحدث عن التطبيق الشامل لمصادر التعليم المفتوحة للصفوف من الأول إلى الرابع، بعد تجربةٍ في أكثر من ستين مدرسة، ويقدمها في إطار بديل عن الكتب المقررة ورقيا. لذلك فإن حديث طباعة الكتب نرحب به، لكننا نأمل أن يُثبَّت رسميًا وأن يتضح موقع الكتاب في النموذج الجديد : هل سيعود المرجعية الأساسية للطفل والمعلم والأسرة، وتعمل المصادر المفتوحة إلى جانبه، أم سيبقى موردًا إضافيا داخل نموذج يقوم أساسا على البدائل؟
هذه ليست مسألة شكلية ؟ لأنها تتعلق بفلسفة التعليم نفسها.
وتستحق التجربة السويدية التوقف عندها. فالسويد ليست دولة تخشى التكنولوجيا ولا تفتقر إلى البنية الرقمية، بل هي من أكثر المجتمعات تقدمًا فيها. ومع ذلك، أعادت خلال السنوات الأخيرة الاعتبار بقوة إلى الكتاب الورقي والقراءة والكتابة اليدوية، خصوصًا في الأعمار الصغيرة، ورفعت في سياساتها شعارًا واضحًا: مزيد من وقت القراءة، ووقت أقل أمام الشاشة. وقد خصصت السويد ما يقارب ٦٠٠ مليون كرونة سويدية سنويًا لدعم الكتب والوسائل التعليمية، وعززت حق الطلبة في الوصول إليها ضمن سياسات تعليمية وطنية واضحة (المصدر: Swedish Ministry of Education, 2023).
والأهم أن السويد لم تتعامل مع ذلك بوصفه خيارًا بلا ثمن : بل خصصت مئات الملايين من الكرونات سنويًا لشراء الكتب والوسائل التعليمية، وعززت قانونيًا حق الطلبة في الوصول إليها. لم يكن السؤال هناك: كيف نتخلص من كلفة الكتاب؟ بل: ما الذي يحتاجه الطفل لكي يتعلم بصورة أفضل؟
وهذا هو جوهر الدرس الذي نحتاج إليه في فلسطين. فحداثة الوسيلة ليست معيارًا تربويًا بذاتها، وانخفاض كلفتها المباشرة لا يجعلها تلقائيًا الخيار الأكثر كفاءة.
بل إن الواقع الفلسطيني نفسه يقدم لنا حجة أقوى من المقارنة السويدية. ففي غزة، حيث انهارت البنية التعليمية التقليدية بصورة شبه كاملة، لم تمنع وفرة المنصات الرقمية من ظهور أزمة وصول حقيقية : فضعف الكهرباء والإنترنت ونقص الأجهزة قيد إمكان التعلم عن بعد، واضطرت المؤسسات الدولية إلى إنشاء مئات مساحات التعلم المؤقتة، وتوفير الخيام والقرطاسية والمواد المطبوعة والمعلمين بنظام المناوبات. وحتى في منتصف 2025، كانت الاستجابة التعليمية الدولية تعاني نقصًا حادًا في التمويل، بينما ظل مئات آلاف الأطفال خارج أي تعلم وجاهي منتظم (المصدر: UNICEF Education Response Report, 2025).
هذه التجربة تقول شيئا بالغ البساطة: حين تنكسر البنية التحتية، يكتسب المورد التعليمي المستقل عن الكهرباء والاتصال قيمة استراتيجية. والكتاب واحد من هذه الموارد.
فالكتاب الذي يصل إلى حقيبة الطفل لا يحتاج إلى اشتراك، ولا إلى بطارية، ولا إلى هاتف أحد الوالدين، ولا إلى تنزيل ملف في اللحظة المناسبة. يستطيع الطفل أن يقرأه في البيت، وفي الملجأ، وفي القرية، وفي المخيم، وأن يعود إليه حتى عندما تنقطع الشبكة.
لذلك، فإن الكتاب في الحالة الفلسطينية ليس مجرد أداة تعليمية؟ إنه أيضًا أداة للعدالة والاستمرارية.
ولا يعني ذلك أن كل كتاب ورقي أفضل من كل مورد رقمي. هذه الثنائية مضللة. الكتاب الرديء لا يصبح جيدًا لأنه مطبوع، كما أن المورد الرقمي الممتاز قد يقدم خبرة لا يمكن للكتاب وحده تقديمها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول " تعدد المصادر " إلى بديل عن بناء منهج متماسك.
هناك فرق كبير بين مصادر تعلم مفتوحة تثري المنهاج، وبين مجموعة روابط وملفات ورزم متناثرة يُطلب منها أن تؤدي وظيفة المنهاج نفسه.
فالمنهاج ليس مخزنًا للمحتوى، بل بنية مقصودة للتعلم: ماذا يتعلم الطفل أولًا؟ وما الذي يبنى عليه لاحقًا؟ وما المفهوم الذي يحتاج إلى تكرار؟ وما مستوى اللغة المناسب لعمره؟ وكيف ينتقل من التعرف إلى الفهم ثم التطبيق؟ وكيف يقيس المعلم تقدمه؟
إذا لم تجب الموارد المفتوحة عن هذه الأسئلة ضمن تسلسل وطني ملزم وواضح، فإنها تبقى موارد مهما كانت جودتها، ولا تصبح منهاجًا بمجرد جمعها في منصة واحدة.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر وضوحًا: تجميع روابط وفيديوهات وأوراق عمل ليس بديلًا تربويًا مكافئًا تلقائيًا لكتاب ومنهج صُمما وفق تسلسل معرفي محدد. وقد يستطيع المعلم المتميز أن يصنع من هذه الموارد تجربة ثرية، لكن السياسة التعليمية لا تُبنى على افتراض أن جميع المدارس والمعلمين والأسر يملكون القدرات والوقت والظروف نفسها.
وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر لأن مدارسنا وبيوتنا ليست متساوية. هناك طفل يمتلك جهازًا واتصالًا سريعًا وأسرة قادرة على المتابعة، وفي المقابل طفل في مخيم أو منطقة ريفية أو أسرة محدودة الدخل لا يمتلك هذه الشروط. وعندما نجعل الوصول إلى المادة الأساسية معتمدًا على هذه الموارد، قد نحول تفاوت الدخل والبنية التحتية إلى تفاوت في حق التعلم نفسه.
لكن الدفاع عن الكتاب الوطني يجب ألا يتحول إلى دفاع عن كتابنا الحالي كما هو. فإذا قررنا أن نطبع، فيجب أن نطبع كتابًا يستحق الاستثمار فيه.
كتاب القراءة، مثلًا، ينبغي ألا يكون مجموعة نصوص قصيرة مجتزأة لا وظيفة لها إلا تدريب الطفل على مفردة أو قاعدة. نحتاج إلى كتاب يدخل الطفل تدريجيا إلى متعة القراءة : قصص فلسطينية وعربية وعالمية مناسبة لعمره، نصوص لها بداية وحبكة وشخصيات ومعنى، تتيح للطفل أن يقرأ للفهم والمتعة لا للإجابة عن سؤال أسفل الصفحة فقط.
ونحتاج إلى كتاب يستطيع الطفل أن يستخدمه باستقلال نسبي !؟ تعليماته واضحة، وتسلسله مفهوم، وأنشطته متدرجة، ولا يحتاج في كل درس إلى هاتف الأب أو الأم لفك شيفرة محتواه أو الوصول إلى رابط خارجي كي يفهم ما هو مطلوب منه.
كما ينبغي أن يكون أقل ازدحامًا وأكثر تركيزًا على ما هو جوهري. ففي الصفوف الأولى، ليست البطولة التربوية في كمية الموضوعات التي نمر بها، بل في عمق إتقان القراءة والكتابة والحساب والفهم.
وهناك بعد لا يقل أهمية عن الكلفة والتعلم والعدالة، وهو السيادة المعرفية والانتماء الوطني.
نحن لسنا دولة تعيش في سياق سياسي طبيعي. ما زلنا تحت احتلال، وفي قلب صراع مستمر على الأرض والذاكرة والرواية والوعي والهوية . والاحتلال يدرك أن من ينجح في إعادة تعريف التاريخ واللغة والرموز يستطيع أن يؤثر في الطريقة التي يرى بها الجيل نفسه ومستقبله.
ولهذا لا يجوز أن نتعامل مع المنهاج الفلسطيني باعتباره مجرد قناة لنقل المهارات العامة.
المنهاج يجب أن يجعل الطفل يعرف من هو: أن يعرف مدنه وقراه، وجغرافية بلاده، وأدبها وفنونها وتراثها، وتجارب شعبه، وأن يتعرف إلى العالم الفلسطيني في تنوعه : إلى المعلم والعالم والفلاح والأسير واللاجئ والمبدع، وإلى قيم الحرية والعدالة والانتماء والمسؤولية.
ولا أتحدث هنا عن تحويل الكتاب إلى خطاب تعبوي أو شعارات سياسية. فالتلقين لا يبني انتماءً راسخا. الانتماء الأقوى هو الانتماء المبني على المعرفة والفهم والقدرة على التفكير النقدي.
المطلوب ألا نحفظ الطفل الرواية الفلسطينية فقط، بل أن نتيح له أن يعرفها، ويفهم سياقاتها، ويقارن الأدلة، ويستطيع لاحقًا الدفاع عنها بلغة المعرفة لا بلغة الشعار وحده.
ولهذا فإن المرجعية الوطنية للمنهاج ليست تفصيلًا يمكن تركه بالكامل لسوق الموارد المفتوحة. الانفتاح على العالم ضرورة، لكن الانفتاح يكون أكثر قوة حين ينطلق المتعلم من أرض معرفية يعرف فيها لغته وهويته وتاريخه.
إن ما نحتاج إليه ليس انتصار الورق على الشاشة، بل ترتيب العلاقة بينهما بصورة صحيحة ؟ كتاب وطني متماسك هو العمود الفقري في السنوات الأولى، ومعلم مؤهل يقود التعلم، وموارد رقمية ومفتوحة تثري وتوسع وتنوع الخبرة.
والتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الكتب التي أزلناها من الحقائب، بل بما أضافته التكنولوجيا إلى تعلم الطفل.
فإذا حسّنت الفهم، وفتحت بابًا للتجريب، وأتاحت محتوى لا يمكن تقديمه ورقيًا، فهي قيمة مضافة. أما إذا كان دورها مجرد نقل الصفحة من الورق إلى الشاشة، أو تحميل المعلم والأسرة مهمة تجميع المادة وتنظيمها، فنحن لم نحقق تحولًا تربويًا؛ بل غيرنا وعاء المحتوى فقط.
كما ينبغي ألا يبقى النقاش كله نظريًا. فإذا كانت الوزارة قد اختبرت النموذج في عشرات المدارس، فإن من حق المجتمع التربوي أن يرى نتائج هذه التجربة بصورة منهجية: ماذا حدث لمهارات القراءة والكتابة والحساب؟ ما رأي المعلمين؟ كيف تعامل أولياء الأمور مع غياب الكتاب؟ هل اختلفت النتائج وفق المنطقة أو مستوى الدخل أو توفر الأجهزة والإنترنت؟
نشر هذه النتائج ليس إحراجًا للمشروع : بل شرط أساسي لاتخاذ قرار يستند إلى الأدلة.
وإذا لم تكن هذه البيانات قد جُمعت بما يكفي، فهذا بحد ذاته سبب للتأني قبل التعميم.
إن الظروف المالية الفلسطينية قاسية، ولا يمكن المطالبة بالإنفاق دون حساب، لكن الحساب الصحيح لا يضع ثمن طباعة الكتاب في عمود منفصل. يجب أن يضع أمامه أيضًا ثمن ضعف التعلم، والبرامج العلاجية، والفجوة الرقمية، والعبء الذي ينتقل إلى الأسر، وكلفة أن يصل الطالب إلى مراحل متقدمة وهو لم يؤسس جيدًا في سنواته الأولى.
ما سمعناه من الوزير بشأن طباعة الكتب حتى الصف الرابع يبشر بالخير، ونأمل أن يتحول إلى سياسة معلنة ومتوازنة، وأن يصاحبه تقييم علمي جاد للكتاب نفسه وللموارد المفتوحة معًا.
فلا الكتاب مقدس لأنه ورقي، ولا الرقمي حديث لأنه رقمي. المعيار هو الطفل: ماذا يقرأ؟ ماذا يفهم؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ وهل يحصل على الفرصة نفسها التي يحصل عليها غيره؟
وفي فلسطين يجب أن نضيف معيارًا رابعًا لا يقل أهمية: هل يساعد التعليم طفلنا على أن يصبح متعلمًا عصريًا واسع الأفق، وفي الوقت نفسه فلسطينيًا يعرف نفسه وتاريخه وروايته؟
الدولة التي تطبع كتابًا جيدًا لا تنفق على أوراق ستستهلك في عام. إنها تستثمر في أساس التعلم، وفي العدالة بين أبنائها، وفي ذاكرة الجيل القادم وقدرته على حمل روايته وهو يدخل العالم الواسع .