نابلس - النجاح الإخباري -
خاص/ بعد ثلاث سنوات على حرب الإبادة في غزة، تتواصل تداعياتها على المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، وسط تحديات سياسية وإنسانية متصاعدة، وتحولات دولية أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي أشرف العكة إن المشهد الفلسطيني بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة يواجه تحديات كبرى وأسئلة وجودية، في ظل استمرار سياسات الاحتلال، وتعثر الانتقال إلى المراحل التالية من الخطة المطروحة بشأن قطاع غزة، إلى جانب استمرار الاعتداءات في الضفة الغربية وانسداد الأفق السياسي.
وأضاف العكة خلال لقاء مع النجاح بأن الفلسطينيين يواجهون في قطاع غزة مرحلة انتقالية لم تستكمل مراحلها وفق الخطة التنفيذية ذات البنود الخمسة عشر، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتعامل مع القطاع ضمن مرحلة إدارة دولية انتقالية.
القضية الفلسطينية تفرض نفسها في المشهد الدولي
وأوضح العكة أن المشهد الفلسطيني، رغم صعوبته، يشهد في المقابل حراكًا سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا، إلى جانب تنامي التأييد العام الدولي للقضية الفلسطينية.
وأكد أن القضية الفلسطينية فرضت نفسها كعامل رئيسي في قلب التحولات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن الوصول إلى بيئة أمنية إقليمية مستقرة يتطلب حلًا عادلًا وشاملًا للقضية الفلسطينية.
حرب غزة كشفت طبيعة المشروع الإسرائيلي
وأشار العكة إلى أن المجتمع الدولي، رغم امتلاكه المؤسسات والآليات والقرارات، لم يتمكن حتى الآن من وقف الحرب والعدوان والتجويع في قطاع غزة.
لكنه رأى أن السنوات الثلاث الماضية أسهمت في تشكيل وعي عالمي جديد، من خلال كشف الرواية الإسرائيلية وطبيعة المشروع الصهيوني، الذي وصفه بأنه مشروع إحلالي توسعي دموي.
وفي حديثه عن أحداث السابع من أكتوبر، شدد على أن تقييم الحدث وأبعاده ودلالاته يحتاج إلى قراءة وطنية عميقة، مشيرًا إلى أن ارتداداته لم تقتصر على الساحة الفلسطينية، بل امتدت إلى الإقليم والعالم، وأثرت في مسارات التنافس الدولي وإعادة تشكيل النفوذ والنظام الدولي.
تراجع المظلة الأمنية الأميركية في المنطقة
وقال العكة إن التطورات التي أعقبت الحرب كشفت، بحسب تقديره، طبيعة القوة الأميركية وحدودها، معتبرًا أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تحكم المنطقة بالشكل الذي كانت عليه سابقًا.
وأشار إلى أن البعد الأمني الإقليمي بدأ يتشكل بصورة أكبر من خلال الدول الوازنة في المنطقة، التي أصبحت مساهمة في هندسة شكل الإقليم وطبيعة تحالفاته وتكتلاته.
وأضاف أن القضية الفلسطينية كشفت، وفق قراءته، أن إسرائيل أصبحت تمثل تهديدًا لاستقرار المنطقة، بل إنها باتت، بحسب تقديره، تهدد منظومة الأمم المتحدة واستقرار العالم.
تحولات في الرأي العام الدولي
ولفت الكاتب والمحلل السياسي أشرف العكة في حديثه للنجاح إلى ما وصفه بالتحول في الرأي العام الأوروبي والعالمي والأميركي تجاه إسرائيل، مشيرًا إلى أن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وخطابات قادة الدول عكست، بحسب تقديره، اتساع المواقف الرافضة لسياسات الاحتلال والداعمة للقضية الفلسطينية.
ورأى أن هذا التحول لا ينعكس بصورة فورية على الواقع الميداني، وهو ما يفسر استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية.
لماذا لا تظهر نتائج التحولات الدولية على الأرض؟
أوضح العكة أن تعثر تنفيذ الخطة المتعلقة بقطاع غزة يرتبط، من وجهة نظره، بعوامل إسرائيلية داخلية، من بينها الانتخابات والصراع السياسي والتنافس الداخلي، إلى جانب استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، الذي قال إنه يعطل بعض القرارات الدولية الجماعية.
وأشار كذلك إلى وجود تفاهمات إقليمية لا تزال تراهن على الدور الأميركي في التأثير على السلوك الإسرائيلي.
وفي المقابل، أكد أن القضية الفلسطينية تستند إلى حقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الفلسطينيين يتحركون وفق الشرعية الدولية والقانون الدولي والحقوق الوطنية المشروعة، بينما تتحرك إسرائيل، بحسب وصفه، بمنطق القوة والأمن والدعم الأميركي.
القضية الفلسطينية في قلب صراعات إقليمية ودولية أوسع
ويرى العكة أن حرب غزة جاءت في ظل تحولات دولية وإقليمية كبرى، بالتزامن مع الحرب الروسية في أوكرانيا، والتنافس بين الصين والولايات المتحدة، إلى جانب التوترات والأزمات في سوريا واليمن والعراق وإيران ومناطق أخرى.
وأوضح أن الحدث الفلسطيني أصبح جزءًا من مشهد دولي أوسع يشهد تنافسًا على النفوذ وإعادة تشكيل النظام الدولي، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية تتقدم أحيانًا في صدارة الاهتمام الدولي والإعلامي وتتراجع أحيانًا أخرى بفعل الأحداث الكبرى المتزامنة.
وأضاف أن التحولات الحالية قد تؤثر في شكل النظام الدولي المقبل وفي طبيعة المؤسسات الدولية، معتبرًا أن القضية الفلسطينية تمثل، في هذا السياق، اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الشرعية الدولية والقانون الدولي.
الولايات المتحدة تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة التوازنات
وقال العكة إن القوة الأميركية والإسرائيلية تستطيعان إدارة الحرب عسكريًا، لكنهما لا تستطيعان تحقيق نتائج سياسية نهائية بمفردهما، ما يجعلهما بحاجة إلى أطراف إقليمية لإدارة نتائج الحرب.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة أصبحت، بحسب تقديره، تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة التوازنات في المنطقة، لافتًا إلى حاجتها إلى دول إقليمية، بينها تركيا ومصر والسعودية وباكستان، في إدارة نتائج الحرب وترتيبات المرحلة المقبلة.
كما أشار إلى أن الولايات المتحدة بدأت تقليص وجودها في المنطقة، مستشهدًا بانسحابها من العراق، وبالحديث عن مستقبل قواعدها العسكرية في المنطقة.
الفلسطينيون أمام معادلة الصمود والانتظار
وحول استمرار غياب التحرك الدولي الفاعل، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستمرار نتنياهو في الحديث عن جبهات الحرب، قال ألعكة إن الفلسطينيين أمام معادلة صعبة تتمثل في الصمود والتمسك بالحقوق وانتظار تغير موازين القوى الدولية.
وأضاف أن السابع من أكتوبر شكّل، من وجهة نظره، طاقة للتحرك والنضال الوطني الفلسطيني، لكن نتيجته كانت حرب إبادة وتجويع وتدمير واسع في قطاع غزة.
وأكد أن القضية الفلسطينية ليست معركة الفلسطينيين وحدهم، بل هي، بحسب تعبيره، معركة القانون الدولي والمؤسسات الدولية وأحرار العالم، معتبرًا أن استمرار القضية يمثل اختبارًا لبقاء النظام الدولي وقدرته على حماية الحقوق التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة والقوانين والقرارات الدولية.
تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل
ورأى المحلل السياسي أشرف العكة أن الدعم الأميركي لإسرائيل قد يشهد تراجعًا من حيث التأثير، مشيرًا إلى ما وصفه بتراجع الصورة الأخلاقية للولايات المتحدة ودورها كدولة فاعلة في مجلس الأمن الدولي نتيجة انحيازها ودعمها لإسرائيل.
وقال إن الولايات المتحدة لم تعد تشهد، بحسب تقديره، إجماعًا على دعم إسرائيل، متوقعًا أن تؤدي التحولات السياسية الأميركية المقبلة، بما فيها الانتخابات النصفية، إلى فتح نقاشات ومساءلات بشأن استخدام الأسلحة الأميركية في الحرب ومدى توافق ذلك مع الاتفاقيات المرتبطة بحقوق الإنسان.
وأكد أن الفلسطينيين لا يستطيعون بمفردهم تغيير موازين القوة، في ظل عجز المجتمع الدولي وضعف الإقليم، داعيًا إلى قراءة موازين القوة كما هي عند تقييم التطورات السياسية.
الأردن ومصر في مواجهة مخططات التهجير
وأشار العكة إلى أن المنطقة باتت، بحسب تقديره، أكثر وعيًا بالمخاطر المرتبطة بالسياسات الإسرائيلية التوسعية، وخاصة دول الجوار مثل مصر والأردن.
وقال إن مصر تصدت لمشاريع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، بينما يواجه الأردن أي محاولات لفرض التهجير أو الوطن البديل، معتبرًا أن الموقف الإقليمي في هذه القضية يمثل عاملًا مهمًا في مواجهة أي محاولة لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
تحرك أوروبي وعقوبات على إسرائيل
وفي ختام حديثه مع النجاح، أشار العكة إلى بدء تحركات دولية وأوروبية وبريطانية باتجاه فرض عقوبات وإجراءات ضد إسرائيل، بما في ذلك إجراءات مرتبطة بالمستوطنات.
واعتبر أن هذه الخطوات، رغم أنها غير كافية من وجهة نظره، تمثل بداية لمسار يمكن أن يقود إلى محاسبة إسرائيل وتحميل المسؤولين عنها المسؤولية القانونية والجنائية.
وأكد أن الوعي العالمي والدولي بعدالة القضية الفلسطينية يشكل أحد أبرز التحولات التي برزت خلال السنوات الثلاث الماضية، معتبرًا أن هذا الوعي يمثل عنصرًا أساسيًا في مواجهة سياسات الاحتلال والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.