النجاح الإخباري - في حوار صريح وجريء، يكشف رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري عن محطات حياته منذ الطفولة، مروراً بتجربة الاعتقال والنضال الطلابي، وصولاً إلى ريادة الأعمال ودوره في الوساطة لإنهاء حرب غزة. يضع المصري في هذا اللقاء  صورة واضحة عن رؤيته للاقتصاد الوطني، أولوية إنهاء الانقسام، ودعوته لانتخابات فورية كمدخل للخلاص الوطني.

بشار المصري، ابن مدينة نابلس، نشأ في عائلة لها حضور تاريخي في فلسطين والأردن، حيث كان جده حكمة المصري من مؤسسي جامعة النجاح الوطنية ووالده من أوائل الأطباء الفلسطينيين الذين درسوا في الولايات المتحدة. رغم الرفاه النسبي، عاش المصري تجارب قاسية من اعتقال وحرمان من التعليم بسبب نشاطه الوطني، ليكمل مسيرته الدراسية في مصر وأمريكا، ويتولى أدواراً نقابية وطلابية هناك، قبل أن يعود إلى فلسطين ليؤسس شركات ويقود مبادرات اقتصادية ضخمة أهمها مدينة روابي.  

في السنوات الأخيرة، برز اسم المصري في وساطات سياسية بين حماس والإدارة الأمريكية من أجل إطلاق الرهائن ووقف الحرب على غزة، ما جعله عرضة لدعاوى قضائية في الولايات المتحدة وحملات إعلامية، إلى جانب خسائر كبيرة في استثماراته بغزة. رغم ذلك، يواصل المصري دعمه للاقتصاد الوطني، ويرى في الاستثمار الفلسطيني شكلاً من المقاومة وحماية الأرض.

جذور عائلية وصناعة هوية وطنية

يؤكد بشار المصري فخره بانتمائه لعائلة نابلسية عريقة، مشيراً إلى أثر جده حكمة المصري في تأسيس جامعة النجاح الوطنية ودور والده في خدمة الناس من خلال الطب والعمل الإنساني. يقول المصري:  

"أعلمني جدي أن الأمور مش بالمناصب... الأمور شو بتعمل وشو بتخلي وراك."

رغم نشأته بين التعليم والعمل العام، لم يكن طريقه مفروشاً بالورود. فقد اعتقل ثماني مرات في شبابه، وحرمت الاعتقالات من إكمال الثانوية في فلسطين، ليتابع تعليمه في مصر ثم أمريكا، حيث تولى رئاسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين والعرب.

بناء الذات: من الاعتقال إلى ريادة الأعمال

يشدد المصري على أن مسيرته لم تكن امتداداً لثروة عائلية، بل بدأت من الصفر؛ موظفاً في الخارج، ثم مؤسساً لشركات متعددة في فلسطين، ليصبح اليوم من أكبر مشغلي القطاع الخاص.  

"أنا بفضل أني أعرف بعدد الموظفين وفرص العمل اللي وفرتها... هذا أهم شيء."  

ويضيف حول بداياته:  

"والدي علمني أني أوقف على إجراي... كنت أضطر أشتغل علشان أكمل مصروفي."

يعتبر المصري أن الاستثمار في فلسطين قرار وطني يتجاوز الربح، ويدعو القطاع الخاص لمضاعفة الجهد في خلق فرص العمل والتنمية، منتقداً ضعف الشراكة مع القطاع العام والبيئة التشريعية غير الداعمة.

وساطة لإنهاء الحرب: مخاطرة بحجم الوطن

انخرط المصري في وساطة حساسة بين حماس والإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب على غزة، مستخدماً علاقاته الشخصية مع مسؤولين أمريكيين. يوضح:  

"كنت جاهز أستخدم أي شيء مهما كان الثمن لإنهاء الحرب... هدفي الرئيسي كان ولا يزال إنهاء الحرب."

لم يتردد في دفع الثمن السياسي والمعنوي، حيث رُفعت ضده قضية في الولايات المتحدة من أهالي قتلى 7 أكتوبر بتهم تتعلق بدعم حماس، ويواجه حملة إعلامية لتشويه سمعته، في حين يرى أن استهدافه هو استهداف للقطاع الخاص الفلسطيني الداعم للسلام.

وحول المخاطر السياسية للوساطة وفتح قنوات بين حماس والأمريكيين على حساب السلطة الفلسطينية، يقول المصري مباشرة:  

"بدي أنهي الحرب. مين ينبسط، مين يزعل؟ هذا موضوع ثانوي، بنحل بعدين."

روابي وغزة: الاستثمار مقاومة على الأرض

يعتبر المصري مشروع مدينة روابي نموذجاً للمبادرة الوطنية في مواجهة الاستيطان وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم، رغم كل الانتقادات حول التعامل مع الجانب الإسرائيلي في توريد المواد.  

"قيمة روابي غالباً ما تنشافش بحياتي، حتنشاف بعد حياتي... لازم نبني أرضنا، لازم نثبت وجودنا على الأرض."

أما في غزة، فقد خسر المصري استثمارات ضخمة خلال الحرب الأخيرة، لكنه يصر على دعم القطاع هناك وإبقاء رواتب الموظفين، وتقديم الخدمات الإنسانية:  

"ولا فكرت بالدمار... فيه إنسان عم بموت، فيه أهلي، فيه شعبي، فيه وطني. إحنا جزء من الناس، إحنا مش منفصلين عن الناس، إحنا الناس."

يشدد على أن بناء غزة الجديدة يجب أن يكون بسواعد أبنائها، رافضاً أي مشاريع خارجية تستثني العمالة الفلسطينية.

انتخابات وحوكمة: لا خلاص بلا ديمقراطية

يرى المصري أن تعطيل الانتخابات "جريمة بحق الشعب الفلسطيني"، ويؤكد:  

"يجب أن تحصل الانتخابات، وأي تأخير هو عذر فقط ولأسباب سياسية."  

ويضيف:  

"عنا فرصة تاريخية اليوم نعدل الأمور، نرجع الشرعية، ويكون ناس عندنا وجوه جديدة مؤهلة."

ويعلن استعداده لدعم القوائم الشابة والنسائية في أي استحقاق ديمقراطي قادم، منادياً بتمكين المرأة والشباب في كل مواقع العمل والمجتمع.

يطرح بشار المصري نموذجاً لرجل الأعمال الفلسطيني الذي يرى في الاستثمار أداة مقاومة، وفي التنمية درعاً للحفاظ على الهوية والوطن. رغم التحديات السياسية والاقتصادية والقانونية، يواصل المصري رهانه على الشباب الفلسطيني، وعلى أن الديمقراطية والاقتصاد القوي هما بوابة الاستقلال الحقيقي. ويؤكد في كل محطات الحوار أن الانحياز للناس، والجرأة في اتخاذ القرار، والإيمان بإمكانيات الفلسطينيين، هي ما يصنع الفارق في مواجهة الأزمات وبناء المستقبل.