نابلس - النجاح الإخباري - خاص / بعد عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال تداعيات الحرب تلقي بثقلها على حياة الفلسطينيين، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية والقيود المفروضة على دخول الاحتياجات الأساسية، وتعثر الانتقال إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار. وبينما حمل الاتفاق آمالًا بوقف حرب الإبادة وتهيئة الظروف لاستعادة الحياة، يرى المحلل السياسي الدكتور طلال أبو ركبة في حديثه مع النجاح لإلى أن الواقع الميداني لم يشهد تحولًا جوهريًا، وأن الحرب اتخذت أشكالًا أخرى من القتل والضغط الإنساني والأمني.

وقف إطلاق النار.. تغيير في شكل الحرب

يقول أبو ركبة إن الاتفاق، الذي جاء ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لم يؤدِّ إلى إنهاء معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، معتبرًا أنه أسهم في نقل الحرب من صورتها العلنية إلى ما وصفه بـ«الإبادة الصامتة»، عبر استمرار القصف والاغتيالات والتوغلات وسقوط الضحايا.

ويشير إلى أن الاتفاق جاء في ظل تراجع صورة إسرائيل أمام الرأي العام الغربي والدولي، خصوصًا بعد أزمة المجاعة التي شهدها القطاع خلال صيف عام 2025، لافتًا إلى أن وقف إطلاق النار لم ينعكس، وفق تقديره، على تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية أو على توفير الحماية اللازمة للمدنيين.

أزمة إنسانية متواصلة وقيود على الاحتياجات الأساسية

على الصعيد الإنساني، يؤكد أبو ركبة أن دخول بعض المواد التموينية إلى قطاع غزة لم ينهِ الأزمة، في ظل استمرار القيود على دخول السلع والتحكم في كمياتها، الأمر الذي يُبقي السكان أمام أزمات متجددة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويوضح أن آثار الأزمة لا تقتصر على الغذاء، بل تشمل مستلزمات الحياة اليومية، مشيرًا إلى نقص أجهزة الهواتف المحمولة وزيوت السيارات، وما يترتب على ذلك من صعوبات في التواصل وإجراء المعاملات المالية والتنقل بين المناطق.

ويضيف أن اعتماد المواطنين على المحافظ الإلكترونية والتداول الرقمي يجعل توفر الهواتف ضرورة أساسية، في حين تؤثر القيود على مستلزمات السيارات في حركة التنقل داخل القطاع. ويرى أن استمرار هذه الظروف، بالتزامن مع القصف وانعدام الأمن، يجعل الحياة اليومية محفوفة بالمخاطر، ويُبقي السكان في حالة من القلق وعدم الاستقرار.

تدمير مقومات الحياة ومخاوف التهجير

وفي قراءته للأهداف الإسرائيلية من الحرب، يقول أبو ركبة إن إسرائيل امتلكت منذ البداية تصورًا لمستقبل قطاع غزة، مشيرًا إلى محاولات دفع السكان من شمال القطاع نحو الجنوب وصولًا إلى الحدود المصرية، بما كان يمكن أن يفتح الطريق أمام تهجيرهم إلى سيناء.

ويعتبر أن الموقف المصري أسهم في إفشال هذا السيناريو، لتتجه إسرائيل لاحقًا، وفق تقديره، إلى تدمير مقومات الحياة في القطاع، بما يصعّب على السكان العودة إلى مناطقهم أو الاستقرار فيها.

ويشير إلى أن عمليات التدمير طالت المباني السكنية والبنية التحتية والمدارس والجامعات والمستشفيات والشوارع وشبكات المياه، معتبرًا أن تدمير هذه المرافق يفاقم معاناة الفلسطينيين ويجعل استمرار الحياة في مناطق واسعة من القطاع أكثر صعوبة.

ويحذر من أن استمرار الظروف الإنسانية والأمنية القاسية، إلى جانب نقص الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، يخلق ضغوطًا نفسية واجتماعية متزايدة، وقد يدفع السكان إلى البحث عن فرص للمغادرة لأسباب صحية أو تعليمية أو اقتصادية أو إنسانية.

تعثر خطة وقف إطلاق النار ومجلس السلام

ويربط أبو ركبة تعثر تنفيذ مراحل الاتفاق بالتحولات الإقليمية والدولية، ولا سيما التصعيد المرتبط بإيران خلال عام 2026، الذي قال إنه أدى إلى تراجع أولوية الملف الفلسطيني على أجندة المجتمع الدولي والإدارة الأميركية.

كما يتوقف عند مجلس السلام والترتيبات المرتبطة بالاتفاق، مشيرًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، وإلى أن المجلس لم ينجح، بحسب تقييمه، في إحداث تغيير ملموس في حياة سكان القطاع أو توفير تخفيف فعلي لمعاناتهم.

ويرى أن الانتقال إلى الحديث عن التعافي المبكر وإعادة الإعمار، من دون تحسن جوهري في الظروف المعيشية والأمنية، خلق انطباعًا دوليًا بأن الحرب انتهت، في حين لا تزال معاناة الفلسطينيين مستمرة بأشكال مختلفة.

ويعتبر أن هذا الواقع يمنح إسرائيل مساحة لمواصلة سياساتها بعيدًا عن الضغوط الدولية التي رافقت مشاهد المجاعة والدمار خلال مراحل الحرب السابقة.

الاحتلال يواصل السيطرة من دون تحمل مسؤولياته

وفي سياق تقييمه للوضع الميداني، يقول أبو ركبة إن إسرائيل تسيطر، وفق تقديره، على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، فيما يواجه الفلسطينيون في المناطق الأخرى ظروفًا معيشية وأمنية بالغة الصعوبة.

ويرى أن الوضع القائم يتيح لإسرائيل مواصلة السيطرة على القطاع، مع تحميل السكان كلفة البقاء في ظل نقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، بدلًا من تحمل المسؤوليات المترتبة على الاحتلال تجاه السكان المدنيين.

ويحذر من أن استمرار هذا الواقع يفاقم الضغوط على المجتمع الفلسطيني، ويهدد بتعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، في وقت لا تزال فيه احتياجات السكان الأساسية بعيدة عن التلبية الكافية.

الانتخابات الإسرائيلية ومستقبل غزة

أما بشأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فيرى أبو ركبة أن الخلاف داخل إسرائيل لا يتمحور بالضرورة حول مستقبل قطاع غزة بقدر ما يتعلق بالوسائل التي ينبغي اتباعها للتعامل معه.

ويوضح أن مقاربة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المدعومة من شخصيات في اليمين الإسرائيلي، تقوم، بحسب وصفه، على التهجير وتقليص عدد سكان القطاع بصورة كبيرة. وأشار خلال المقابلة إلى تصورات تتحدث عن إبقاء ما بين 500 ألف و700 ألف فلسطيني في غزة.

وفي المقابل، يشير إلى أن مقاربة بعض شخصيات المعارضة، ومن بينها غادي آيزنكوت، تتجه إلى ترتيبات إدارية واقتصادية تقوم على إدارة القطاع عبر هيئات محلية، مع التركيز على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية بدلًا من معالجة القضية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية وطنية.

ويعتبر أبو ركبة أن هذه المقاربات، رغم اختلاف أدواتها، قد تلتقي في إبعاد قطاع غزة عن سياقه الوطني الفلسطيني، محذرًا من أن النموذج المقترح للقطاع قد يمتد لاحقًا إلى الضفة الغربية.

إلغاء الانتخابات الفلسطينية وتحديات الوحدة الوطنية

وفيما يتعلق بالمشهد الفلسطيني الداخلي، يعتبر أبو ركبة أن إجراء الانتخابات الفلسطينية كان يمكن أن يشكل خطوة نحو توحيد النظام السياسي والجغرافيا الفلسطينية، باعتبار أن العملية الانتخابية كانت تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

ويرى أن إلغاء الانتخابات أضعف فرصة تعزيز الوحدة السياسية، وفتح المجال أمام ترتيبات لإدارة قطاع غزة بعيدًا عن السياق الوطني الفلسطيني، في ظل تصورات تستبعد الفصائل الفلسطينية من المشاركة في حكم القطاع.

ويحذر من أن فصل غزة سياسيًا وإداريًا عن بقية الأراضي الفلسطينية قد ينعكس على وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية، مؤكدًا أن معالجة أوضاع القطاع لا يمكن أن تقتصر على الجوانب الإنسانية والاقتصادية، بل ينبغي أن تشمل الأبعاد السياسية والحقوقية والوطنية.

عام على الاتفاق.. آمال معلقة ومستقبل غير واضح

بعد عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، تبقى الفجوة واسعة بين الإعلان عن إنهاء الحرب والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة، وفق قراءة أبو ركبة؛ إذ تتواصل الأزمات الإنسانية والأمنية، فيما لا تزال مراحل التعافي وإعادة الإعمار تواجه تحديات كبيرة.

وبين استمرار القيود والهجمات، والتحولات الإقليمية والدولية، والخلافات بشأن مستقبل الحكم في القطاع، يرى أبو ركبة أن التحدي الأساسي لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يمتد إلى ضمان حياة آمنة وكريمة للفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني، ومنع تحويل المعاناة الإنسانية إلى وسيلة لدفع السكان نحو التهجير.

وهكذا، وبعد عام على الاتفاق، لا تزال الأسئلة بشأن مستقبل غزة مفتوحة، في ظل غياب تحول ملموس ينهي معاناة السكان ويضع حدًا للأزمات التي خلفتها الحرب.