نابلس - النجاح الإخباري - تدخل الضفة الغربية مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، في ظل تسارع الاستيطان وتوسّع الإجراءات العسكرية والسياسية الرامية إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وتأتي هذه التطورات وسط تصريحات من مسؤولين إسرائيليين من اليمين المتطرف تدفع باتجاه توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، وسط تصريحات وصفت المرحلة المقبلة بالحرب الشاملة.
الحرب الشاملة على الضفة الغربية.. ماذا تعني؟
يرى الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور أيمن يوسف خلال مقابلة في برنامج أبعاد المشهد عبر إذاعة صوت النجاح أن مفهوم الحرب الشاملة لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، وإنما يشمل مجموعة واسعة من الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية والاستيطانية التي تستهدف مختلف جوانب الحياة الفلسطينية.
ويضع في مقدمة هذه الإجراءات التوسع الاستيطاني، وزيادة البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وتصاعد عمليات الاغتيال والاقتحامات العسكرية، وتشديد القيود الاقتصادية والمالية، وملاحقة العمال الفلسطينيين الذين يحاولون الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.
وبلتالي، فإن الحرب الشاملة، وفق هذا التحليل، تعني استخدام مجموعة متكاملة من الأدوات للضغط على المجتمع الفلسطيني وإعادة تشكيل الواقع في الضفة الغربية.
البعد السياسي والانتخابي للتصعيد الإسرائيلي
يربط الدكتور أيمن يوسف التصعيد الإسرائيلي الحالي أيضاً بالتحولات السياسية داخل إسرائيل واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويشير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو لم تحقق، بحسب تقديره، إنجازات داخلية كبيرة يمكن أن تستخدمها في مواجهة الانتقادات، في ظل تراجع اقتصادي وتزايد مؤشرات الهجرة العكسية وتراجع ثقة قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بالحكومة.
وفي هذا السياق، يرى أن الخطاب الأمني والتصعيد تجاه الفلسطينيين يمكن أن يتحول إلى أداة انتخابية، خصوصاً مع تنامي نفوذ أحزاب اليمين والتيارات الأكثر تشدداً.
ويرى أن نتنياهو وشركاءه من اليمين يسعون إلى تعزيز حضورهم لدى جمهور المستوطنين واليمين الإسرائيلي من خلال خطاب يقوم على الأمن، والاستيطان، ورفض أي تنازلات سياسية للفلسطينيين.
هل التصعيد مجرد دعاية انتخابية؟
رغم ارتباط التصعيد بالانتخابات، يؤكد التحليل أن الأمر لا يمكن اختزاله في الدعاية الانتخابية فقط.
فالضفة الغربية شهدت خلال الفترة السابقة تصعيداً عسكرياً واستيطانياً متواصلاً، بما في ذلك العمليات العسكرية في مخيم جنين ومخيم نور شمس في طولكرم، وصولاً إلى عمليات واسعة في مناطق أخرى من الضفة.
ويشير الدكتور يوسف إلى أن التحول الأهم بدأ بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما تعرضت إسرائيل لهجوم مفاجئ من قطاع غزة، الأمر الذي أحدث تحولاً كبيراً في طريقة تعاملها مع الساحة الفلسطينية.
وبحسب قراءته، فقد أدى ذلك إلى زيادة حدة الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ليس فقط عسكرياً، وإنما أيضاً من خلال استهداف البيئة الجغرافية والديموغرافية الفلسطينية.
تهجير المخيمات وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية
من أبرز ملامح المرحلة الجديدة، وفق التحليل المطروح في الحلقة، ما يتعلق بتهجير سكان عدد من مخيمات شمال الضفة الغربية.
ويشير الدكتور يوسف إلى أن ثلاثة مخيمات فلسطينية في شمال الضفة شهدت عمليات تهجير، بينما باتت مخيمات أخرى، مثل عناتا وشعفاط وقلنديا، ضمن دائرة المخاوف من إجراءات مماثلة.
ولا يتوقف الأمر، بحسب رؤيته، عند المخيمات، إذ يرى أن هناك استهدافاً متزايداً للريف الفلسطيني، خاصة في شمال الضفة الغربية.
ويعتبر أن هذا المسار يرتبط بمحاولة إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية للضفة، من خلال توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، والسيطرة على مساحات إضافية من الأراضي.
الاستيطان كأداة في الحرب الشاملة
يعتبر الاستيطان أحد المكونات الأساسية لما يوصف بالحرب الشاملة على الضفة الغربية، ويشير الدكتور يوسف إلى إنشاء أو التمهيد لإنشاء عدد كبير من البؤر الاستيطانية في مناطق مختلفة من محافظة جنين ومحيطها، مع امتدادات باتجاه مناطق أخرى في شمال الضفة والأغوار.
ويرى أن التوسع الاستيطاني لا ينفصل عن الوجود العسكري الإسرائيلي، إذ إن إقامة البؤر والمستوطنات تترافق عادة مع الحاجة إلى حماية عسكرية، ما يؤدي إلى توسيع نطاق السيطرة على الأراضي المحيطة بها.
وبحسب هذا التحليل، فإن وجود المستوطنات والقواعد العسكرية يحد من قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، ويدفع باتجاه حصر الوجود الفلسطيني داخل المدن والبلدات الكبرى والمناطق القريبة من الجدار.
ويصف الدكتور يوسف ذلك بأنه نوع من «التفريغ الجغرافي» للمناطق الفلسطينية، وإعادة توزيع للوجود السكاني بما يخدم التوسع الاستيطاني.
لماذا التركيز على محافظة جنين؟
يشير التحليل إلى أن محافظة جنين تحظى باهتمام خاص في المشروع الاستيطاني الحالي، باعتبارها من المناطق الفلسطينية التي كانت أقل تأثراً بالاستيطان مقارنة بمناطق أخرى من الضفة الغربية.
ويرى الدكتور يوسف أن عودة الاستيطان إلى ريف جنين، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، تمثل تحولاً مهماً، خصوصاً مع امتداد هذه المشاريع باتجاه محافظات نابلس وطولكرم والأغوار.
ويعتقد أن ما يجري يمثل سباقاً مع الزمن من جانب اليمين الإسرائيلي، بهدف تثبيت وقائع جديدة على الأرض يصعب على أي حكومة إسرائيلية لاحقة التراجع عنها.
لماذا يسابق اليمين الإسرائيلي الزمن؟
يربط الدكتور يوسف هذا التسارع بالاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي واحتمالات تغير الخارطة السياسية.
ويشير إلى أن بعض استطلاعات الرأي، وفق تقديره، لا تمنح نتنياهو وشركاءه القدرة المضمونة على تشكيل الحكومة المقبلة بمفردهم.
ومن هنا، فإن تثبيت المستوطنات والبؤر الجديدة على الأرض قد يصبح هدفاً استراتيجياً قبل أي تغيير محتمل في تركيبة الحكم.
ويضيف أن إخلاء هذه المستوطنات مستقبلاً سيكون أكثر تعقيداً مع مرور الوقت، خاصة في ظل وجود مستوطنين ذوي توجهات أيديولوجية متشددة، وارتباط بعضهم بسجل من الاعتداءات والعنف ضد الفلسطينيين.
الضفة الغربية.. «الخاصرة الرخوة» لنتنياهو؟
وفي سياق حديث الإعلام العبري حول اعتبار الضفة الغربية قد تشكل إحدى أكثر الجبهات حساسية بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
ويرى الدكتور يوسف أن طبيعة الضغوط الأمريكية على إسرائيل في ملفات أخرى، خصوصاً في لبنان وإيران، قد تمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أكبر للمناورة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويعتقد أن هناك تفاهمات غير معلنة قد تسمح لإسرائيل بهامش أوسع من الحركة في الساحة الفلسطينية، مقابل ضبط مستوى التصعيد في جبهات أخرى.
وبحسب هذا التحليل، فإن نتنياهو يحتاج سياسياً إلى إبقاء الملف الأمني حاضراً، لأنه يمثل وسيلة لتعزيز دعمه لدى المستوطنين والتيارات اليمينية المتشددة.
الموقف الأمريكي.. أين تقف واشنطن؟
تطرقت الحلقة إلى الموقف الأمريكي من التطورات في الضفة الغربية، خصوصاً في ضوء الزيارات والتصريحات الأمريكية المتعلقة بالمستوطنات والمناطق الفلسطينية.
ويرى الدكتور يوسف أن هناك مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية وفق مقاربات مختلفة.
فبينما يجري الحديث عن ترتيبات خاصة بقطاع غزة، يرى أن الضفة الغربية لا تحظى بمشروع سياسي أمريكي واضح يقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
ويعتبر أن بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية تمثل اتجاهاً شديد التأييد لإسرائيل والاستيطان، وهو ما ينعكس على طبيعة الموقف الأمريكي من التطورات في الضفة الغربية.
ويشير إلى أن زيارة مسؤولين أمريكيين إلى بلدات فلسطينية في ظل استمرار الحصار والتوسع الاستيطاني لا تعني بالضرورة تغييراً في جوهر السياسة الأمريكية.
هل يمكن الرهان على الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية؟
يرى الدكتور يوسف أن انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية باعتبارها مفتاحاً وحيداً لتغيير الواقع الفلسطيني يمثل خطراً سياسياً.
ويشير إلى أن الخيارات الفلسطينية أصبحت محدودة بفعل عدة عوامل، أبرزها استمرار الانقسام السياسي الفلسطيني، والتشرذم الداخلي، والتحولات الكبيرة التي شهدتها الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما يرى أن إسرائيل تمكنت، وفق وصفه، من فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال العمليات العسكرية في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة.
ويحذر من أن استمرار الرهان على المتغيرات الخارجية، من دون بناء خيارات فلسطينية مستقلة، قد يؤدي إلى مزيد من الانتظار دون تغيير جوهري في الواقع.
العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
يؤكد الدكتور يوسف أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تقوم على ارتباط استراتيجي عميق، يقوم على اعتبار أمن إسرائيل جزءاً من الأمن والمصالح الأمريكية.
ويرى أن مساحة الخلاف بين الطرفين قد تظهر في بعض التفاصيل والتكتيكات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في طبيعة العلاقة.
ومن وجهة نظره، فإن الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة أصبح أكثر صعوبة في ظل التحولات الحالية، كما أن مستقبل السلطة الفلسطينية ودورها السياسي سيكون موضع تساؤلات متزايدة.
لذلك يدعو إلى التفكير في خيارات فلسطينية تتجاوز انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية أو الإسرائيلية.
الموقف العربي والإسلامي.
يرى الدكتور يوسف أن الضغط العربي والإقليمي لم يكن متوازناً، إذ تعرض الجانب الفلسطيني، وفق تحليله، لضغوط كبيرة من بعض الأطراف الإقليمية للقبول بالتفاهمات المطروحة.
ويشير إلى أن دولاً مثل مصر وتركيا وقطر لعبت أدواراً في المفاوضات والوساطة، وأن حركة حماس أبدت مرونة وتنازلات في بعض مراحل التفاوض.
لكن المشكلة، بحسب رأيه، تتمثل في أن الضغط المقابل على إسرائيل لم يكن بالمستوى نفسه.
وبالتالي، فإن المعادلة السياسية، كما يصفها، بقيت مختلة لمصلحة إسرائيل، مع استمرار النفوذ الأمريكي في إدارة الملفات الرئيسية.
تراجع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية
يرى الدكتور يوسف أن القضية الفلسطينية شهدت تراجعاً نسبياً في سلم الأولويات الدولية نتيجة انشغال العالم بملفات أخرى، وعلى رأسها إيران والطاقة والصراعات الإقليمية.
ويعتبر أن هذا التراجع في الاهتمام الدولي منح إسرائيل مساحة أكبر للتحرك في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ورغم صدور بيانات وتقارير عن منظمات دولية وحقوقية، يرى أن النظام الدولي ما زال محكوماً بدرجة كبيرة بمعادلات القوة والمصالح، وأن الولايات المتحدة تحتفظ بتأثير واسع في مفاصل هذا النظام.
السيناريوهات المقبلة للضفة الغربية
في قراءة السيناريوهات المقبلة، يتوقع الدكتور يوسف استمرار التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، حتى في حال حدوث تغيير سياسي داخل إسرائيل.
ويرى أن بعض القوى السياسية الإسرائيلية التي قد تبدو أكثر اعتدالاً من اليمين الحالي لا تزال ترفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة أو إخلاء المستوطنات القائمة.
وبالتالي، فإن التغيير الحكومي في إسرائيل، إن حدث، لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة تجاه الضفة الغربية.
وقد تشهد المرحلة المقبلة، وفق تقديره، بعض الإجراءات الاقتصادية مثل الإفراج عن جزء من أموال المقاصة أو تخفيف بعض القيود، لكن ذلك لن يعني بالضرورة عودة المسار السياسي نحو حل الدولتين.
من «الحل النهائي» إلى إدارة الأزمة
يرى الدكتور يوسف أن الأجندة السياسية تغيرت بشكل واضح، فبعد أن كانت قضايا الحل النهائي، مثل القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود، تحتل موقعاً مركزياً في النقاش السياسي، أصبح الحديث يدور بشكل أكبر حول قضايا يومية وإجرائية: فتح الطرق، السماح للعمال بالعمل، توفير الرواتب، وتخفيف الأزمة الاقتصادية.
وبحسب هذا التحليل، فإن هذا التحول يعني الانتقال من محاولة حل الصراع إلى إدارة الصراع وإدارة الأزمة.
ويعتبر أن إسرائيل نجحت، إلى حد ما، في فرض حدود جديدة على سقف الطموح السياسي الفلسطيني.
هل الضفة الغربية أمام «انفجار» جديد؟
يعتقد الدكتور يوسف أن هناك مبالغة في بعض هذه التقديرات، مشيراً إلى أن الانتفاضتين الفلسطينيتين عامي 1987 و2000 لم تكونا نتيجة قرار مسبق أو معلومات استخبارية محددة، وإنما تطورتا من أحداث ميدانية تحولت تدريجياً إلى حالة شعبية واسعة.
ويرى أن الانتفاضة ليست قراراً سياسياً يمكن تحديد موعده مسبقاً، وإنما قد تنتج عن تراكمات وأحداث مفصلية يصعب توقعها.
وفي المقابل، يرى أن الواقع الفلسطيني الحالي يختلف عن مراحل الانتفاضتين السابقتين، في ظل استمرار الانقسام السياسي وعدم وجود موقف فلسطيني موحد بشأن الحرب والسلم والمفاوضات.
هل التصريحات الإسرائيلية تخدم أهدافاً أخرى؟
يرى الدكتور يوسف أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن «انفجار وشيك» في الضفة قد يؤدي إلى منح الجيش الإسرائيلي مساحة أكبر لتبرير العمليات والإجراءات الأمنية.
كما يمكن أن يستخدم هذا الخطاب في إطار الدعاية السياسية والانتخابية، من خلال تصوير الضفة الغربية باعتبارها ساحة تهديد أمني محتملة.
ومع ذلك، يؤكد أن غياب المؤشرات الواضحة اليوم لا يعني استحالة حدوث تغير مفاجئ في المشهد، لأن الأحداث الميدانية قد تتطور بطريقة غير متوقعة وتغير المعادلة بأكملها.
ومن هذا المنطلق تكشف قراءة المشهد أن مفهوم «الحرب الشاملة» على الضفة الغربية لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتداخل فيه الاستيطان، ومصادرة الأراضي، والاقتحامات، والاغتيالات، والضغط الاقتصادي، وتقييد الحركة، وملاحقة العمال، وإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
كما أن البعد الانتخابي الإسرائيلي حاضر بقوة، لكنه لا يفسر وحده كل ما يحدث، إذ إن هناك مساراً استيطانياً وعسكرياً متواصلاً يسعى إلى خلق وقائع جديدة على الأرض.
أما الرهان الفلسطيني على الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية وحدها، فيراه الدكتور يوسف غير كافٍ، في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وتراجع القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية.
وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح إسرائيل في فرض واقع جديد طويل الأمد في الضفة الغربية، أم أن حدثاً ميدانياً مفاجئاً يمكن أن يعيد تشكيل المشهد بأكمله؟