النجاح الإخباري - تُداعب الفلسطينية ناريمان لبد طفلتها ياسمين المصابة بسرطان الدم، علّها تُفلِح في تخفيف أوجاعها وهي تجلس على كرسي حديدي محتضنة إيّاها في أغلب الأوقات التي تقضيها معها داخل الممرّ الرئيس لقسم الأطفال بمجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزّة.

تبدو ملامح الإرهاق على الأم مثلما يسيطر الوجع على الابنة التي لم تتجاوز أعوامها الخمسة، بعد نقلهما مع خمسة أطفال آخرين مرضى بمرافقيهم من المستشفى المعمداني بمدينة غزة إلى مستشفى ناصر عبر تنسيق بين منظّمة الصحّة العالميّة والجيش الإسرائيلي.

كان قد تقرر أن تغادر الأم وطفلتها القطاع من معبر كرم أبو سالم ضمن أول دفعة سمحت إسرائيل بمغادرتها اليوم الثلاثاء إلى مصر وفق ما أُبلغ به أهالي المرضى، وذلك بعد مناشدات لم تتوقّف من الأمّ لإنقاذ طفلتها لعدم توفّر القدرات التشخيصيّة والعلاجيّة الكافية في شمال القطاع أو جنوبه للتعامل مع حالتها.

قالت ناريمان في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إنّ التشخيص الأولىّ أكد إصابة ابنتها بسرطان الدم مطلع مايو أيار الماضي، دون وجود أيّ قدرات في المراكز الطبيّة والمستشفيات المتاحة لعلاجها، فضلا عن الصعوبات الجمة التي واجهتها وهي تتنقل بين المستشفيات ومن مكان نزوح إلى آخر.

أوضحت الأم أن مرض ابنتها تسبب في تضخّم أعضائها الداخليّة كالكبد والطحال، فضلا عن انسداد في أمعائها وعدم القدرة على تناول أيّ طعام أو شراب، حيث باتت تعتمد بشكل أساسي على المحاليل الوريديّة والأدوية الخفيفة التي تخفف الألم قليلا، وأصبحت بحاجة إلى أخذ وحدات دمّ إضافية بشكل متكرر.

* الخروج من الشمال 

كانت الأم تسكن منطقة الشيخ زايد في بيت لاهيا، قبل أن تنتقل إلى منزل عائلتها في مخيّم جباليا حيث حوصرت لمدّة أسبوعين خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي، ثمّ نزحت بين مناطق ومراكز إيواء متعدّدة فرارا من القصف الذي تسبب في نشوب ثلاثة حرائق في أماكن نزوحها نجت منها بأعجوبة.

تصف ناريمان رحلة الخروج بأنّها كانت شاقة، حيث اضطروا إلى الانتظار من الساعة السابعة صباحا في سيارات الإسعاف داخل المستشفى المعمداني حتى وصلوا في التاسعة مساء إلى مستشفى ناصر بعد اجتياز حواجز الجيش الإسرائيلي الفاصلة بين الشمال والجنوب.

وإلى جانب حديثها عن أوضاع بالغة التعقيد يواجهها سكان شمال القطاع، خصوصا المرضى منهم، حيث لا دواء متوفرا ولا مركز طبي يمكن اللجوء إليه، فقد أشارت إلى انتشار الأمراض بين الأطفال بكثافة، خصوصا المرتبطة بسوء التغذية والتسمّم والأمراض الصدريّة والمعويّة والجلديّة بسبب نقص الغذاء الصحيّ والمياه النظيفة وغياب النظافة الشخصية والعامة.

وفي مقابل حالة الارتياح التي تشعر بها الأم، كونها تغادر لعلاج فلذة كبدها ويرافقها أيضا ابنها الأصغر إبراهيم ذو السنوات الثلاث، فإنّها تشعر بحزن لتركها ابنها الأكبر عبيدة، الذي يعاني من شلل كامل في الأطراف السفلية وجهاز الإخراج ويحتاج رعاية خاصة.

وقالت "تمنّيت لو اصطحبته معي؛ لكن القائمين على التنسيق لم يسمحوا بذلك. ليس لي أمنية سوى علاج كلّ المرضى خارج غزة، لأنّ بقاءهم هنا يعني وفاتهم حتما".

* "بدّي أعيش بدون وجع"

على مقربة، كانت الطفلة جوري العرعير (ست سنوات) الأكثر لفتا للانتباه بجسدها الهزيل ووجهها الشاحب وحركتها الضعيفة للغاية وهي تحاول الجلوس على الأرض تارة أو بين يدي أمها تارة أخرى، بينما تمد يديها النحيلتين لتُظهر حجم الوجع الذي يصيبها جراء تمكن مرض السرطان من جسدها النحيل وعدم تلقيها العلاج منذ بداية الحرب.

جوري، وهي ضمن الأطفال الستة الذين نُقلوا من الشمال إلى الجنوب، تعاني من ورم سرطاني في الدماغ؛ وكان الأطباء في مستشفى المطلع بالقدس قد استأصلوا جزءا من ذلك الورم وقرروا إكمال العلاج في النخاع الشوكيّ عبر جرعات الكيمياوي التي تلقّت بعضا منها في تلك المستشفى قبل استكماله في مستشفى الرنتيسي بغزّة.

بيد أنّ ظروف الحرب وعدم توفّر الأدوية حالت دون تلقّى الطفلة جرعاتها المقررة منذ منتصف أكتوبر تشرين الأول الماضي، فتدهورت حالتها الصحيّة إلى درجة كبيرة جدا، حتى أصبحت الأسوء منذ اكتشاف إصابتها بالمرض قبل نحو عامين.

ترفع الطفلة يديها وتدعو بصوت خافت أن تُكتب لها الحياة والنجاة من مرضها لتصبح كأقرانها الذين كانت تنظر إليهم وهم يلعبون وتبدو في بكائها حسرة على حالها وهي تقول "بدّي ألعب بسهولة وآكل كلّ شيء؛ بدّي أعيش بدون وجع وبكاء طول الوقت".

وقالت سميرة الصعيدي، والدة جوري، وهي تحتضنها إن عدم سفر ابنتها للعلاج خارج غزّة كان سيعني الحكم عليها بالموت البطيء، لأنه لا توجد أي مقوّمات كافية للعلاج أو التشخيص في المستشفيات الموجودة، سواءً في الشمال أو الجنوب.

أضافت "العلاج في الخارج هو حبل النجاة الوحيد أمامنا؛ كنت أناشد طوال الوقت بإنقاذ طفلتي وبقيّة الأطفال، لأنّهم يموتون نتيجة إغلاق المعابر وعدم توفّر العلاج".

* وفيات يوميّة

في السياق، أكد الدكتور أحمد الفرا، رئيس أقسام الأطفال بمجمع ناصر الطبي، حدوث حالات وفاة يوميّا بين الأطفال المرضى لعدم تمكّنهم من السفر للعلاج في الخارج مع غياب الإمكانيّات التشخيصيّة والعلاجيّة داخل القطاع في ظل انهيار المنظومة الصحية جراء الحرب.

ووصف الطبيب إغلاق المعابر بأنه "كارثة كبرى تُصيب المرضى، كونها الممر الوحيد لنجاتهم من موت محتّم" معتبرا أن استمرار هذا الإغلاق يتسبّب في موت بطئ لكلّ الحالات الحرجة التي تحتاج علاجا وإمكانيات غير متوفرة حاليا، خاصة مع خروج المستشفيات المتخصّصة في علاج الأطفال عن الخدمة. 

وبينما أشار إلى استقبالهم ستّ حالات لأطفال من الشمال، خمسة منهم مصابون بأمراض السرطان وحالة سادسة مصابة بمتلازمة في أمراض الكلى تعاني من جفاف شديد، فقد حذّر من ازدياد الإصابة بالسرطان بنسبة كبيرة لدى الأطفال خلال الفترة المُقبلة لأسباب من بينها "المواد التي تُقصف بها غزّة أو تناول أطعمة مسرطنة ومياه ملوّثة".

ودعا الفرا إلى معالجة عاجلة لأزمات القطاع الصحيّ المركّبة، تشمل بدايةً فتح المعابر لمغادرة المرضى وتوفير الأدوية والمستهلكات الطبيّة ومواد المختبرات والاحتياجات التشخيصيّة والعلاجيّة، مشيرا إلى أنّ الأطفال المرضى يفترشون ممرات المستشفى للازدحام الشديد وعدم وجود أسرّة واحتياجات أساسيّة أخرى.

وكشفت بيانات وزارة الصحّة في قطاع غزة عن أنّ نحو 4900 مريض من مقدّمي طلبات العلاج في الخارج غادروا القطاع خلال الفترة الماضية من أصل 25 ألف مريض يحول دون سفرهم إغلاق إسرائيل المعابر الحدوديّة.

المصدر: وكالة أنباء العالم العربي +النجاح