غزة - مارلين أبو عون - النجاح - عندما تجتمع الأمومة وحب الوطن في قلب واحد، يسجِّل التاريخ أروع سطور التضحية، فالأم الفلسطينية ليست ككلِّ الإمهات، فهي التي ولدت وربت وصنعت الرجال، هي أم وابنة وأرملة الشهيد، وهي والدة الأسير الصابرة، وهي المحاصرة في غزَّة صمدت وصبرت على سنين الحصار.

في يوم الأم الذي يصادف (الحادي والعشرين من مارس/ آذار) من كلِّ عام، يتجدَّد حديث الفلسطينيين عن تضحيات الأم وعطائها في ضوء استمرار الاحتلال الذي فاقم حرمانها من أبسط حقوقها.

فلسطينيات أوائل

في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بيوم الأم، يفخر الفلسطينيون بأمهاتهم اللاتي قدَّمن على مدار أكثر من نصف قرن، ولا تزال أعظم التضحيات فداءً لفلسطين بل للأمة العربية والإسلامية جمعاء.

شهيدات خلِّدت أسماؤهن مثل فاطمة غزال أوَّل شهيدة فلسطينية، شاركت في معركة عسكرية ضدَّ الاحتلال البريطاني، ودلال المغربي ورفاقها، وريم الرياشي الأم الفلسطينية التي ودعت ولديها وقالت حبُّ الله أكبر، وآيات الأخرس، و فاطمة برناوي، وعبلة طه، كلّهن أمهات فلسطين سواء أنجبن أم لم ينجبن.

ومنهن المناضلات مثل خنساء فلسطين أم نضال فرحات أم المجاهدين، التي قدَّمت أولادها الأربعة ما بين شهيد وأسير.

والمرابطات المقدسيات اللواتي وقفن في وجه الانتهاكات الصهيونية للمسجد الأقصى فلجأ الاحتلال إلى إبعادهن تارة واعتقالهن تارة أخرى، ووضع أسماءهن بقائمة سماها هو القائمة السوداء لكنَّها قائمة ذهبية ستبقى شوكة في حلق الاحتلال.

شهيدات وأمهات شهداء

استشهدت العديد من النساء في فترة الثلاثينات والأربعينات، فارتقت فاطمة غزال في معركة وادي عزون بين الثوار والجنود البريطانيين عام (1936)، وأثناء تزويد المجاهدين بالطعام والماء، واستشهدت ذيبة عطيَّة حاملة لسلاحها، تقاوم المحتل بعد أن ذبح زوجها وابنها في مجزرة "دير ياسين"، والمُعلمة حياة البلبيسي من القدس وهي تسعف المصابين، والممرضة مرغريت جورج من حيفا التي استشهدت بين حيفا واجزم وهي ترافق أحد الجرحى.

وقد أبت بعض الأمهات إلا أن تحضر في مشهد الانتفاضة بذاتها، فكانت إحدى شراراتها التي أشعلت وقود الانتفاضة، فكانت الأمهات الشهيدات مجد الخضور، وثروت الشعراوي، ومهدية حماد، وأماني سباتين، وفدوى أبو طير، وأنصار هرشة، نموذجاً للأم الشهيدة المجاهدة.

وهناك أمهاتٌ كثر قدَّمن فلذات أكبادهن شهداء، ثمَّ وقفن شامخات عزيزات، يحملن أكفان أبنائهن دون قطرة دمع، ويصرخن أمام العالم أجمع أنَّهم فداء لفلسطين، فكان على رأسهن أمهات الشهداء مهند الحلبي، ومحمد سعيد علي، وعبد الحميد أبو سرور، ومحمد الفقيه، ومعتز زواهرة، ومروان القواسمي، وعامر أبو عيشة، وباسل الأعرج، وعمر أبو ليلى، وغيرهن الكثير.

الأسيـــرات

والأسيرات اللآتي أعطين عمرهن من أجل الوطن داخل سجون الاحتلال، فمنهن من ولدت أطفالها داخل السجن، ومنهن من حرمت من رؤيتهم، وفي يوم الأم سجّلت التقارير أنَّ عشرات الأمهات المعتقلات في سجون الاحتلال، حرم أطفالهن من أحضانهن.

من الأسيرات هيفاء أبو رميلة، وشاتيلا أبو عيادة، وإسراء الجعابيص، وصباح فرعون، وهيفاء أبو صبيح، وأماني الحشيم، وحلوة حمامرة، ونسرين حسن، وغيرهن العشرات ينتظرن الإفراج عنهن.

زوجة أسير ووالدة شهيد

استشهد ابنها وأُسر زوجها قبل (10) أعوام، وتركها وحيدة وهي في سن الـ(30) من العمر، تاركاً وراءه أربعة أطفال.

سوزان عبدالنبي، هي أم الشهيد وزوجة الأسير حسام عبدالنبي، المحكوم بـ(20) عامًا قضى منها (7) سنوات، وفي هذه السنوات السبع، قاست سوزان أقسى الظروف وأحلكها، فهي المسؤولة عن أطفال صغار ،لا معيل لهم غيرها.

تقول سوزان لمراسلة النجاح الإخباري: "منذ سبع سنوات حينما استشهد ابني محمد وأسر زوجي اعتقدت أنَّ الدنيا انتهت بالنسبة لي، لكنَّني حينما التفت خلفي رأيت ورائي طفلين لاحول لهم ولا قوة، فلم أياس وواصلت الطريق".


وتتابع :"اتفقت مع صاحب محل ملابس أن آخذ منه بعض الملابس، وأسوّقها بنفسي، في مقابل نسبة من الأرباح، صحيح أنَّ هذا العمل صعب في البداية، وواجهت انتقادات من المجتمع، ومن القريب قبل الغريب، فكيف لأم شهيد وزوجة أسير أن تبيع ملابس على "بسطة"، لم أكترث فكلامهم لن يطعمني الخبز الحاف، وواصلت عملي حتى جمعت بعض المال واشتريت بسطة صغيرة لأبيع الملابس عليها، حتى وصل بي الحال الآن أن أفتح محل ملابس صغير لنعتاش منه."

وتمنَّت سوزان أن ترى أبناءها متوفقين في دراستهم أكثر، لأنَّهم الأمانة التي تركها لها زوجها، الذي يقبع خلف قضبان السجون الإسرائيلية.

امرأة عاملة ومعيلة لأسرتها

أم فلسطينية أخرى تقطن في مدينة بيت لاهيا، شمال القطاع، هي المعيل الوحيد لأسرتها، بعد أن أصيب زوجها بمرض خطير، أقعده سنوات كثيرة عن العمل، فوجدت نفسها أمام مسؤولية كبيرة، تتمثل في رعايتها لأولادها وإعالتهم من طعام وشراب وتعليم، بالإضافة لتوفير العلاج لزوجها، فتوجَّهت للعمل في الأراضي الزراعية تحرث وتزرع تقلع، لكي تستر عائلتها ونفسها.

ام محمد. خ  تقول لـ"النجاح الإخباري" :"أستيقظ منذ ساعات الفجر الأولى وأصلي، وأعد الطعام لأولاي الأربعة، قبل مغادرتهم للمدرسة، وأرعى شؤون زوجي،ومن ثمَّ أتجهَّز قبل شروق الشمس وأتوجه لعملي" .

تتابع: "أنا لا أعمل بشكل دائم في الأراضي الزراعية، فأي عمل يتوفر لي لا أرفضه، المهم في نهاية اليوم أن أعود لأبنائي بالطعام، ومصاريف الدراسة،فقد عملت في البيع في السوق ، في الأراضي الزراعية، في تنظيف البيوت، وعمل المعجنات والحلويات للمحلات، وغيرها الكثير."

وأكَّدت أم محمد أنَّ السيدة الفلسطينية تتعرض لمضايقات وانتهاكات، على الصعيد الأخلاقي والمادي من بعض المستغلين، ولكنَّها حافظت على نفسها، ولكنَّها قبلت بمردود مادي بسيط بساعات عمل طويلة، لكي تستطيع أن تعيل أسرتها، مع علمها المسبق بأنَّهم يستغلون حاجتها للعمل، ولكن "ما باليد حيلة " على حسب تعبيرها.

وختمت :"أنا لم يقدَّر لي أن أكمل دراستي وعمري تعدى الـ"35"، وكلُّ ما أتمناه أن يكبر أبنائي، ويحملون الهم معي ولو قليلًا، لعلهم يكونون سندًا لنا في الحياة".

هذه هي الأم الفلسطينية ستبقى رمزاً للقضية وستبقى هي النموذج الأسمى لكلِّ الأمهات، وفي يومها، كلّ التحية والإجلال لها ولما فعلته وتفعله لمجتمعها وأسرتها.