نابلس - شهناز ذياب - النجاح - طفل انطوائي، معزول عن العالم، اتّخذ القرآن الكريم عالمًا خاصًّا به، يتحدَّث العربية الفصحى بطلاقة، ويجيد قراءة اللغه الإنجليزية، أما خطّه الجميل فيثير ويثير دهشتك وكأنَّه فنان.

الطفل يوسف شاهين (12) عامًا، يعاني من صعوبة في التعامل مع المحيط من حوله، لايبالي بشيء، بسبب إصابته باضطراب في النمو العصبي، أو ما يسمى "بالتوحد".

طفل التوحد، والذي يواجه غالبًا إعاقه في قدرته على التعلم والتواصل السليم، وشتات ذهن وكثرة الحركة، يوسف خالف هذه القاعدة نوعًا ما.

يدرس يوسف في مدرسة مسقط في محافظة سلفيت، وهو في الصف السادس الأساسي، يمتلك ذاكرة قوية ميزته عن الأصحاء، استطاع حفظ القران الكريم كاملًا, وهو قادر على حلِّ العمليات الحسابية الصعبة في فترة قصيرة ودون آله حاسبة، بالرغم من إصابته بالمرض الذي رافقه منذ ولادته.

يوسف لقي حبًّا كبيرًا من زملائه ومدرّسيه، رغم الصعوبة في التعامل معه، وعدم رغبته في الجلوس في درجه، بل يفضل الجلوس أمام اللوح مباشرة، وكتابة آيات من القرآن بالطباشير، والتنقل بين غرفة الصف وغرفة المرشد التربوي، الذي يعتبره يوسف الأستاذ الروحي له.

تحدّث  المرشد التربوي فراس ذياب لـ"النجاح الإخباري" عن يوسف، قال: "إنَّ لدى يوسف عالمه الخاص وهو القران، يجد نفسه فيه، وغالبًا ما يبقى بغرفته لقراءة القرآن أو سماعه عبر تطبيق يوتيوب".

 وأضاف أنَّ يوسف يجيد استخدام الهواتف الذكية، وعمل فورمات كامل للهاتف، ويستطيع فك قفل الأمان من أي جهاز محمول، متمنّيًا وجود مركز تصليح هواتف يتبنى موهبته".

وأكَّد ذياب على أنَّ لمدير المدرسة، عرفات سلوم، دورًا كبيرًا في مرونة شخصية يوسف بعد دمجه بين الطلبة إثر توصية وزير التربية والتعليم الدكتور صبري صيدم، بدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس.

وأفادت والدة الطفل شاهين لـ"النجاح الإخباري"، بأنّ يوسف يتمتّع بسرعة حفظ قوية جدًا، ويجيد استعمال الأجهزة الإلكترونية، وأضافت: "أتعامل مع طفلي بطريقة حساسة ومختلفة عن باقي أخوته، وتمكنت بفضل الله من مساعدته على التأقلم معنا في المنزل، وهو طفل حنون جدًا, يحب أخوته كثيرًا".

وأكَّدت أنَّ طفلها يوسف لم يذهب إلى أيِّ مركز تعليمي، إلا من فترة قصيرة حيث بدأ التدريب في جمعية للتعليم وضبط السلوك، مبيّنة أن يوسف الذي كان لديه رغبة كبيرة في تأدية مناسك العمرة، سخّر الله له من يلبي رغبته، حيث تولى فاعل خير مصاريف تأدية العمرة قبل أسبوع، مارفع معنوياته وعاد عليه بالخير، ووسع أفق تفكيره.

وأوضحت الوالدة، أنَّها لم تلحظ إصابة طفلها بالتوحّد، رغم تأخّر علامات النمو لديه، وعدم قدرته على النطق، معتقدة أنَّ هذا التأخُّر أمر طبيعي، مضيفة أنّ حالته تمّ الكشف عنها بعد دخوله المدرسة حيث لاحظ المدرسون وجود خلل لدى الطفل، ما اضطرها للذهاب به إلى مركز طبيعي، وأكَّد لها الطبيب وجود اضطراب في النمو "التوحد".

 وأكَّدت تقبلها ورضاها بمرض ابنها، واصرارها على مساعدته وتعليمه القراءة بكل الطرق والأساليب، ولم تنجح بذلك إلا بعد تعليمه بعض سور القران الكريم ومن ثمَّ قراءته لكلمات القران بشكل سليم.

ورغم كثرة الدراسات والأبحاث,،لا تزال الأسباب وراء الإصابة بمرض التوحد عند الأطفال غامضة، ومتعدّدة لوجود تباين في أعراض وخطورة مرض التوحد من حالة إلى أخرى، إلا أنَّ جميع الاضطرابات الذاتوية تؤثِّر على قدرة الطفل على الاتصال مع المحيطين به وتطوير علاقات متبادلة معهم.

ومن الجدير ذكره، أنَّ معرفة كيفية التعامل مع المرض وليس علاجه لعدم وجود علاج واضح المعالم حتى الآن، وتقديم المساعدات المعنوية والمادية، كلّها عوامل يمكن أن تحدث تغييرًا ملحوظًا وجديًّا في حياة الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.