عماد أبو شاويش - النجاح -  تكبد مربو الدواجن في قطاع غزة خسائر بملايين الشواقل، جراء الهبوط المفاجئ للأسعار، الناجم عن عدم وجود استراتيجية واضحة من قبل الجهات المختصة لتنظيم عملية استيراد البيض.

محمود الزعانين 50 عاماً أحد مربي الدجاج اللاحم شمال قطاع غزة، بدأ حديثه قائلاً:" تكبدت خسارة مالية بمقدار 80 ألف شيقل الشهر الماضي بعد الانخفاض الكبير الذي طرأ على سعر كيلو الدجاج .

ويعمل الزعانين في تربية الدواجن منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، ولم يخسر كما هذا الشهر، سوى في العدوان الإسرائيلي عام 2008 عندما تضررت مزارعه جراء استهدافهم من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وقال "الزعانين" تفاجأتُ من الانهيار الكبير في أسعار الدجاج اللاحم وخاصة بعد عيد الاضحى، حيث كان متوقعاً انخفاض طفيف على الأسعار في هذا الموسم نظراً لكثرة لحوم الأضاحي لدى المواطنين ما يقلل حركة الإقبال على شراء الدجاج، إلا أن الانخفاض مازال مستمراً الأمر الذي دفعنا للتواصل مع قسم البيطرة في وزارة الزراعة التي تسيطر عليها حركة حماس، بحكم أنها الجهة المخولة بالمتابعة والمراقبة لكل ما يتعلق بالدواجن.

وأضاف، حاولنا الاستيضاح عن أسباب عن هذه الكارثة التي ألمت بنا، إلا أن الزراعة نوهت إلى أن وجود كميات من لحوم الاضاحي سيؤدي إلى انخفاض طفيف في الاسواق. مستدركاً أن هناك أسباب أخرى للكارثة وتحفظ على ذكرها.

وألمح إلى وجود خلل في طريقة إدخال البيض المستورد إلى قطاع غزة، بما يزيد عن الحد المسموح به الذي يوازن الأسعار في الأسواق.

ومن خلال استيضاح أسعار المواد الأساسية لتربية الدجاج اللاحم لدى أكثر من جهة، تبين أن التكلفة النهائية على صاحب المزرعة تتراوح ما بين 8 – 8.5 شيقل للكيلو الواحد من الدجاج على أرضه، يضاف له1.5  شيقل للنقل والمذبح، ما يجعل سعر الدجاج يصل إلى المستهلك بـ 9 شواقل وهذا يعتبر مقبولاً لديهم.

في ذات السياق، أكد مربي الدجاج اللاحم فؤاد أبو زريق "37 عاماً" سكان المنطقة الوسطى، أن الانخفاض الكبير في أسعار الدواجن لا يؤذي المربين فقط، بل أنه يعود بالضرر على جميع المواطنين، فهو كمزارع لن يعود لتربية أفواج جديدة إلا بعد فترة طويلة من تعويض خسارته التي تجاوزت 36000"" شيقل في خمس مزارع.

وأوضح أبو زريق، أنه في حال استمر هذا الانخفاض خلال الأشهر القادمة دون تدخل من قبل وزارة الزراعة بغزة، سيؤدي إلى رفع سعر الكيلو للدجاج على المستهلك إلى أكثر من18  شيقل كما حصل قبل أشهر، موعزاً الخسارة الكبيرة لدى مربي الدجاج ستجعلهم يتوقفون عن التربية، ما سيزيد الطلب ويقلل العرض.

فؤاد أبو زريق حدد الأسباب التي جعلت أسواق الدواجن تنهار في هذا الفترة، حيث قال: إنه من المفترض تقليل إدخال البيض المخصب المستورد خلال شهر حزيران الماضي إلى أقل من 1.7 بيضة، ليكون سعر الكيلو للدجاج10  شواقل على المستهلك تقريباً، ولكن المفاجأة أن الوزارة منحت أصحاب فقاسات البيض تصاريح لإدخال أكثر من2.7 بيضة، ناهيك عن تهريب أكثر من800  ألف أخرى.

وعند محاولة كاتب التقرير التواصل مع وزارة الزراعة للاستيضاح حول الاسباب التي جعلت الاسواق تنهار بهذه الطريقة، وكبدت المربين خسائر تصل إلى الملايين، رفضت الوزارة الحديث والتعقيب على الموضوع علماً أنها الجهة التي يمكن أن تفسر الظاهرة وهو ما يضع علامات استفهام أمام صمتها؟؟؟.

وعلم كاتب التقرير من مصادر خاصة أن وزارة الزراعة بغزة (تسيطر عليها حركة حماس)، سمحت بتدفق كميات البيض المستورد للتفقيس بأكبر من الكمية الموص بها من قبل بعض الخبراء، بالرغم من حلول عيد الاضحى وموعد افتتاح المدارس، ناهيك عن الوضع الاقتصادي للمواطنين، ما قلل حركة الطلب على الدواجن.

وذكر المصدر الذي تحفظ على ذكر اسمه من وزارة الزراعة نفسها، ان المشكلة ليست حديثة النشأة، وهناك عدة عوامل ساهمت في انخفاض أسعار الدجاج وعدم استقرار سعره لسنوات، وتكبيد المزارعين خسارات تصل إلى ملايين الشواقل. ناتجة عن منح الوزارة قبل أربعة أعوام تراخيص لفقاسات جديدة بمعدل استيعاب مليون بيضة فوق احتياج السوق، رغم التوصيات التي قدمها قسم البيطرة بأن كميات البيض المستورد تكفي لأعداد الفقاسات مقارنة لاحتياج السوق.

وأضاف المصدر، أن هناك لجنة رباعية داخل أروقة الوزارة هي من تتحكم بالكميات المدخلة من البيض المستورد، وأعضاء هذه اللجنة هم من قرروا إدخال2.7  مليون بيضة خلال الشهرين الفائتين، وهذا ما جعل الأسعار تنخفض إلى هذا السعر الكبير.

وتطرق المصدر إلى أن بعض التجار يلجأون إلى تهريب البيض عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، والذي يربط بين قطاع غزة والجانب الاسرائيلي، فوزارة الزراعة بغزة هي من تمنح التصاريح بإدخال البيض المستورد للتجار، ولكن بعضهم يستورد أكثر من حصته ويهربها بطرق أخرى.

وعبر المصدر عن استيائه من الطريقة التي يتم التعامل فيها مع من يهربون البيض المستورد أو يدخلون كميات أكبر من المسموح لهم بها، حيث أنه لا يوجد قرار صارم يقضي بإتلاف أية أعداد من البيض تزيد عن الرقم المكتوب للتجار بإدخاله، ولو تم ذلك، فلن يجرؤ أي تاجر على مخالفة القانون والمقامرة بأرزاق المواطنين.

محمد النجار "29 عاماً"مربي دجاج يسكن شرق مدينة خانيونس، يقول أنه اتصل به أحد أصحاب الفقاسات ليعرض عليه شراء صيصان بسعر الواحد منها0.5  شيقل، لكنه رفض بسبب خسارته في المزرعة الاخيرة بأكثر من 17 ألف شيقل.

ويكمل مربي الدجاج، لم يمت لدي عدد كبير من الدجاج بسبب ارتفاع درجة الحرارة في الجو أو بسبب أمراض قد تصيب الدجاج اللاحم الذي يحتاج إلى عناية خاصة، ولكن الخسارة التي تكبدتها جاءت جراء انخفاض الأسعار ما جعلني ملزم بدفع ثمن العلف للتاجر الذي من المفترض سداده حالة البيع.

"النجار" يقول: إن مشكلته الان هي دفع سعر العلف، حيث أن التاجر يشتري طن العلف بأقل من2000  شيقل بينما يبيعه بأكثر من2500 شيقل للمربي، وحتى اللحظة لم أدفع له باقي المبلغ بسبب خسارتي في رأس المال وليس في المربح فقط، ومن المتوقع أن يتم سجني إذا لم أدفع خلال أيام.

وأكد "النجار" أنه لن يعود لتربية الدجاج إلا بعد استقرار سعره بما يتناسب مع سعر السوق، حيث أنه من المستغرب أن يكون سعر البيع أقل من سعر التكلفة، وهذا ما دفع مربين أخرين يعرفهم يمتنعون عن مزاولة مهنتهم بتربية الدجاج اللاحم.

وزارة الزراعة بغزة، وفور انخفاض أسعار الدجاج اللاحم، شرعت إلى استصدار أمر بالتعاون مع وزارة الاقتصاد بمنع إدخال اللحوم المجمدة المستوردة، لعله يساعد في إعادة توازن الأسعار وعدم استمرار حالة الانهيار لدى المربين.

وخلال تلك الفترة أعدمت الزراعة في غزة قرابة 43 ألف بيضة مستوردة قادمة من الجانب الاسرائيلي عبر معبر كرم أبو سالم حسب ما نشرت عبر موقعها الالكتروني، بحجة أن وزن البيضة أقل من 55 غرام وهو أقل من الوزن المسموح به والذي يخرج منها صوص غير مكتمل النمو يسمى "البندوق".

وبعد أيام وفي مطلع شهر أيلول من هذ العام، أصدرت وزارة الزراعة بغزة قراراً عبر مواقعها الالكتروني يسمح فيه لجميع التجار باستيراد البيض المخصب دون تحديد كمياته أو سعر كيلو اللحم للدجاج، ما يعني إغراق السوق بالبيض.

حاول مراسل النجاح الإخباري الحصول على احصاءات لأعداد مزارع الدجاج اللاحم وفقاسات البيض في قطاع غزة، إلا أن هذه المعلومات تكاد تكون محجوبة في أروقة وزارة الزراعة بغزة وغير معلنة على موقعها الالكتروني، باستثناء أعداد البيض المستوردة التي تنشر بشكل أسبوعي على موقع الوزارة منذ فترة قريبة.

أبو محمود، الذي رفض الافصاح عن اسمه، صاحب أحد الفقاسات في قطاع غزة، أوضح أنه يعمل في استيراد البيض المخصب منذ سنوات وهو يراقب الاسعار خلال العامين الفائتين، اتضح له أن احتياج السوق المحلي من 1.8 – 2.5  بيضة شهرياً، وهذا سيخلق حالة استقرار في سعر كليو الدجاج اللاحم، ما يجعل المستهلك راضٍ عن السعر والتاجر مستفيد منه.

وأَضاف أبو محمود أن كل فقاسة لها نسبة من البيض المستورد، فنحن نستورد 100  ألف بيضة شهرياً ولا نحصل على تصاريح بأكثر من هذا، لكن بعض الفقاسات تحصل على تصاريح بنفس العدد المسموح به لنا ولكنها تخرج ضعف هذا العدد، ومن الواضح أنها تدخل بطرق غير رسمية منها التهريب.

يقول صاحب الفقاسة أن سعر الصوص اليوم وصل إلى نصف شيقل للمربي، رغم أنني اشتريه من دولة الاحتلال 1.7 شيقل، وبالتالي أن فرق السعر أخسره من رأس المال، ولكنني لا أستطيع الانسحاب من السوق، فأين سيذهب العمال والسائقين وكيف سأحصل أموالي من المربين.

المحلل الاقتصادي د. ماهر الطباع حذر من انهيار اقتصادي جديد في مجال تربية الدواجن، خاصةً أن أغلب التجار أصيبوا بنكسات اقتصادية بسبب الخسائر التي طالتهم جراء انخفاض أسعار كيلو الدجاج إلى اقل من 6 شواقل، أي بمعدل خسارة 3  شيقل للكيلو من أطنان الكيلوات.

وأَضاف "الطباع"، إذا ما قدرنا اعداد مزارع الدجاج اللاحم في قطاع غزة، نجد أن العاملة منها تصل إلى 1000 مزرعة والتي وصلت خسائرها إلى أكثر من10  ملايين شيقل خلال الشهر الماضي فقط، وفي حال استمر الوضع على هذه الخسارة، سيؤدي إلى افلاس المربي والتاجر وانهيار قطاع الدواجن بشكل كامل للسنوات القادمة.

وطالب الطباع وزارة الزراعة بغزة والجهات المختصة بإيقاف استيراد اللحوم المجمدة وتقنين ادخال البيض إلى2  مليون بيضة شهرياً، للمحافظة على توازن أسعار الدجاج اللاحم في الأسواق بين المربين والمستهلكين دون ايقاع الخسائر للطرفين.