مدى شلبك - النجاح -   يشعر كثيرون بعدم الارتياح جرَّاء الابتعاد عن هواتفهم الذكية، ويعود سبب ذلك لتعلقهم بها لما تخزّنه من ذكريات رقمية تخصهم، إذ يشعر الشخص أنَّه فقد جزء من أطراف جسده عند الابتعاد عن هاتفه في حالة تدعى "النوموفوبيا"، جاء ذلك وفقًا لدراسة حديثة أعدَّتها جامعة سونغ كيون كوان وجامعة سيتي في هونغ كونغ في كوريا الجنوبية.

ووجد فريق البحث بعد استطلاع آراء (300) طالب في كوريا الجنوبية أنَّ الطلاب الذين لديهم مستويات عالية من النوموفوبيا يستخدمون كلمات ذات صلة بالذات وبالذاكرة، كذكرى، وأنا، ولي، فيما تزداد الحالة سوءاً كلما أصبح مساعدنا الرقمي أكثر خصوصية.

فيما نلحظ مؤخراً أنَّ جزءاً كبيراً منا يعبر عن نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أفضل من تعبيرهم عن أنفسهم بالواقع، كما أنَّ الناس يستخدمون اللايك أو الكومنت على سبيل المثال كأسلوب لاتخاذ المواقف والتعبير عنها.

 

من أين بدأت؟

"يكون الأفراد في سن المراهقة والشباب المبكر أكثر عرضة للإصابة بحالة الانفصال عن الواقع والاندماج بالعالم الافتراضي"، هذا ما قالته الأخصائية الاجتماعية فاتن أبو زعرور لـ"النجاح الإخباري"، وأضافت أنَّ الإصابة بهذا النوع من الحالات مرتبط بالإضطرابات التي تعاني منها حياة الفرد الاجتماعية، إذ يلجأ الناس للعالم الافتراضي كبديل عن الواقع، ويقدمون شخصيتهم كما يريدون لها أن تكون وليست كما هي عليه في الحقيقية.

ومن جانبه، قال الأخصائي النفسي والمدرّب الدولي في التنمية البشرية أكرم عثمان لـ"النجاح الإخباري"، أنَّ السلوك يتحوَّل إلى عادة نتيجة التكرار، إذ يقول علماء إنَّ ممارسة السلوك  من (16- 22) مرّة تحوّله إلى عادة، مضيفاً أنَّ الإنسان يتعود على السلوك عندما يشعر بالارتياح والانسجام له، وهذا ما يحدث مع الإنسان عندما يرتبط بهاتفه ومواقع التواصل الاجتماعي، ويتحوَّل التعود إلى إدمان، مشيراً إلى أنَّه يصبح من الصعب أن يبتعد المدمن عن التعلق بالهاتف.

 

تضرر مستوى الحوار

ويؤثّر الارتباط بالهاتف المحمول على الجانب الجسدي، كونه يؤدي للكسل والخمول وازدياد الوزن والسهر لساعات طويلة الأمر الذي سيؤثر على إنتاج الفرد، هذا ما قاله عثمان.

وأضاف أنَّ التأثير يمتد على البيت والأسرة، إذ ينعزل الفرد ويعيش بعالمه الخاص، ما يقود إلى ضرر في مستوى الحوار، والذي لا يتعدى متوسطه في الأسرة العربية (4 إلى 5) دقائق باليوم، مشيراً إلى أنَّ ذلك يزيد الفجوة بين الأسرة والفرد الذي يشعر بعدم الحاجة للأخرين، بينما يندمج مع عالم خاص وهمي.

 

أربعة أبعاد

أشار عثمان أنَّ التخلُّص من حالة الارتباط بالهاتف تحتاج إلى إرادة لتقليل عدد ساعات متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجهات حقيقية لإعداد برنامج وخطة لزيادة الإنتاج الفردي ويأتي ذلك على شكل أربعة أبعاد:

  • البعد المعرفي إذ يتحتم على الشخص زيادة مداركه ليصبح أكثر شمولية، من حيث إدراك جوانب الحياة من حوله، عن طريق الثقافة ومعرفة الأخبار.

  • البعد الاجتماعي عن الطريق التواصل مع المحيط، حيث إنَّ التواصل عبر الإنترنت لا يغني عن وجود الناس بالواقع.

  • البعد الروحي عن طريق التعبد والاسترخاء والتأمل وإحياء المشاعر مع الناس حولهم.

  • البعد الرياضي من خلال الاهتمام بالصحة الجسدية، كالنوم لساعات كافية، وممارسة الرياضة.

 

فيما أوضحت أبو زعرور أنَّه يتحتم على الأسرة معرفة احتياجات أفرادها لتشبعها، وإشراك كل فرد بالأدوار والمسؤوليات والنشاطات، بالإضافة إلى عقد اتفاق بتخصيص وقت للأسرة فقط، مشيرةً إلى أنَّ ذلك لا يتم عن طريق الإجبار بل عن طريق مساعدة الأفراد بإيجاد بدائل.

 

مشاعر إلكترونية

وضَّحت أبو زعرور أنَّ الهاتف وما يحتويه من مواقع تواصل اجتماعي يؤثر على مهارات التواصل الاجتماعي لدينا في الواقع، إذ يصبح الفرد غير قادر على تحديد الوقت المناسب للحديث والصمت واتخاذ المواقف.

وأضافت، أنَّ التعبير عن المشاعر أصبح إلكترونيًّا، عن طريق اللايك والكومنت التي تكون مزيفة في بعض الأحيان وتعبر عن موقف شخصي بغض النظر عن المنشور نفسه، فمن الممكن أن يحرز المنشور (200) لايك لكنها غير حقيقية.

وذكرت أنَّه يجب على كل شخص أن يسأل نفسه عن سبب اختراق مواقع التواصل الاجتماعي لحياته، ولماذا تمكَّنت من أن تَكسبنا على حساب الأسرة والمكان والمجتمع؟ مشيرةً إلى أنَّ هذا الاختراق سببه الشعور بالنقص وهذا النوع من التواصل ملأ هذا الفراغ وكشف عوراتنا.