أكرم عطا الله - النجاح -             ما بين اتفاق أوسلو ونصوصه وأحلامه وشعاراته ودعاية انتخابية في اسرائيل بشعاراتها مسافة هائلة يقرأها كل من تابع كيف تدهورت الأوضاع وكيف تغير المجتمع الإسرائيلي ونظامه السياسي من مجتمع علماني ليبرالي إلى مجتمع يميني استيطاني، فقد بكت قبل ربع قرن عضو الكنيست "غيئولا كوهين" ويوم توقيع الاتفاق قبل ربع قرن على مدخل الكنيست قائلة "هذا يوم أسود في تاريخ اسرائيل."

           ماتت غيئولا ولم تشهد ازدهار الليكود واليمين الذي كان محترفا في تدمير كل ما تم الاتفاق عليه وقبل أن تحتفل بأسدال الستار على حل الدولتين الذي تبدى يوما ما حين ارتفعت الأحلام حد الاعتقاد بأن هناك حلا عادلا لهذا الاستعصاء في الصراع الذي يتغذى يوميا على الاحتلال الذي يرى أن من حقه أن يستمر بالسيطرة على شعب اخر إلى الأبد.

           نبوءة اليمين تتحقق وقد تجاوزت اسحق شامير الذي أراد جرجرة الفلسطينيين لعقدين من المفاوضات وفعلا استمرت المفاوضات المتعثرة لعقدين وبعدها بالمصادفة توقفت تماما فلا مفاوضات اطلاقا، وكم كانت كوهين متنبئة قبل موتها حين قالت "هناك مقبرة سياسية لمخططات السلام بأضرحة جميلة... وتلك هي نهاية خارطة الطريق الأميركيين يعرفون ذلك وشارون أيضا، لا يمكن فرض شيء على الواقع لا يمكن استيعابه فمخططات السلام عبارة عن أعضاء زرعت في الجسم فقام برفضها".

            الكاتب اليهودي ستيفن عمار يبشر في كتابه بنهاية حل الدولتين لأن الواقع والوقائع تجاوزت ذلك معتقدا أن غزة ستكون كيانا مستقلا وأن ضم الضفة الغربية هو الخيار الإسرائيلي القائم ولأن الأرقام الديموغرافية في اسرائيل باتت تعطي تفوقا انجابيا لصالح اليهود هذا يعطي اسرائيل أريحية فيما تخطط وتلك الفكرة هي الأسوأ منذ أن بدأ يتبلور المشروع الوطني في ستينات القرن الماضي ومنذ أن أدرك الفلسطيني أن المناخات الدولية لن تسمح بأكثر من دولة في حدود عام 67 ليقبل بها منتصف سبعينات القرن الماضي وعلى مضض محاولا أن يجمع شعبه ولو في أقل كثيرا من فلسطين.

صعود اليمين ومألات الواقع وما حمله من تعقيدات للوضع الفلسطيني جعل من الأمر في غاية الصعوبة فكل ما يفعله هذا اليمين هو الحفاظ على الوضع الراهن بالنسبة للفلسطينيين وابقائهم بلا طموحات مع استمرار الهيمنة والاستيطان بالنسبة لإسرائيل أي تقدم في المشروع الاسرائيلي وتجميد المشروع الفلسطيني وتلك معادلة أسوأها هو تمكين اسرائيل من قطع شوط في هذا المشروع وأن الواقع أصبح أكثر استجابة لذلك إذ تبدد حلم الدولتين والأسوأ أن الدولة الواحدة مشروع مرفوض تماما اسرائيليا.

            إذن لا دولة ولا دولتين وأصبح الفلسطينيون عالقين لأن التقدم النسبي في العلاقة مع الإسرائيلي منذ أوسلو أحدث تحولا في طبيعة بينة الحركة الوطنية وأدواتها إذ توقفت عن العمل المسلح باتجاه المؤسسة المدنية وهنا الأزمة حين لم تنجح التسوية فلا هم قادرون على العودة للزمن الماضي بأدواته ولم يستطيعوا التقدم نحو الدولة المدنية المستقلة وباتوا كمن فقد أدواته في منتصف المهمة أو تعرض لخديعة جردته من واقعه الذي كان أحد أدوات الضغط.

           ما العمل إذن؟ سؤال تطرحه طبيعة الدعاية الانتخابية التي يغيب عنها تماما مفهوم السلام والتسوية والمفاوضات وتستدعى شعارات السيطرة والضم والسيادة في انقلاب تام على كل ما سبق وتم التخطيط له إذن نحن في مشكلة تستدعي التفكير لإيجاد مخرج فالمفاوضات متوقفة منذ خمس سنوات ونحن نحاول ايجاد حلول لكن حتى اللحظة لا يبدو في الافق أننا تمكنا من وضع اليد على الحقيقة...!