زيد صنوبر - النجاح الإخباري - لم يكن المشهد في قريتي اللبن الشرقية وبرقة، جنوب وشمال غرب نابلس، مجرد اعتداءٍ على أراضٍ زراعية، بل بدا كأنه امتداد لحرب صامتة تُشن على ذاكرة المكان، وعلى الشجرة التي تختزن في جذورها حكاية الأرض الفلسطينية وعمق ارتباط الإنسان بها.

ففي ساعات متفرقة خلال الأيام الأخيرة، اقتلعت جرافات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطِنون مئات أشجار الزيتون المعمّرة، في مشهد وصفه الأهالي بـ”المجزرة الزراعية” التي تطال الشجر والإنسان والذاكرة معًا.

اقتلاع واسع في اللبن الشرقية وبرقة

في قرية اللبن الشرقية جنوب نابلس، صرّح رئيس المجلس القروي يعقوب عويس لـ"النجاح" أن مستوطنين اقتلعوا عشرات أشجار الزيتون، بعضها يتراوح عمره بين 20 و30 عامًا، إضافة إلى تدمير أكثر من 100 شجرة في المناطق المحاذية للشارع الرئيسي.

أما في قرية برقة شمال غرب نابلس، فقد واصلت قوات الاحتلال عمليات التجريف واقتلاع الأشجار المعمّرة عند مدخل القرية، حيث أفادت مصادر محلية بأن أكثر من 500 شجرة زيتون تم اقتلاعها وتجريفها في واحدة من أوسع الاعتداءات الزراعية التي شهدتها المنطقة مؤخرًا.

 وبحسب تصريحات المجلس القروي والمصادر المحلية لـ"النجاح" في القريتين، فإن إجمالي الأشجار التي تم اقتلاعها وتجريفها في اللبن الشرقية وبرقة تجاوز نحو 600 شجرة زيتون خلال هذه العمليات.

استهداف يتجاوز الزراعة

لا ينظر الأهالي إلى ما يحدث بوصفه خسائر زراعية فحسب، بل باعتباره محاولة أعمق لاقتلاع علاقة الفلسطيني بأرضه، خصوصًا أن الزيتون يمثل رمزًا تاريخيًا واقتصاديًا متجذرًا في الهوية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، صرّح مسؤول ملف الاستيطان خالد منصور لـ"النجاح" أن استهداف أشجار الزيتون “ليس أمرًا جديدًا على الاحتلال والمستوطنين”، موضحًا أنهم ينظرون إلى الشجرة باعتبارها “رمزًا لعروبة الأرض وثبات الفلسطيني عليها”، لذلك تتعرض بشكل متكرر للاقتلاع والحرق والتدمير.

وأضاف منصور لـ"النجاح" أن الاعتداءات لم تعد فردية، بل أصبحت “نهجًا ممنهجًا” يشمل القرى الفلسطينية والأراضي المحاذية للمستوطنات والطرق الالتفافية والمعسكرات العسكرية، وغالبًا ما تُنفذ تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال.

زيتون تحت النار… وصراع على مصادر الصمود

من جانبه، قال رئيس مجلس قروي اللبن الشرقية يعقوب عويس لـ"النجاح" أن ما تتعرض له القرية هو “تدمير واسع وممنهج ومتصاعد منذ أربع أو خمس سنوات”، موضحًا أن الاعتداءات لا تقتصر على اقتلاع الأشجار، بل تشمل محاولات إقامة بؤر استيطانية والاعتداء على الأراضي وحتى استهداف المدارس.

وأضاف عويس أن عمليات الاقتلاع تُنفذ أحيانًا بذريعة ما يسمى “الأسباب الأمنية”، في وقت تتواصل فيه اعتداءات المستوطنين شبه اليومية على الأراضي الزراعية.

ويؤكد منصور لـ"النجاح" أن استهداف الأراضي الزراعية يحمل بعدًا اقتصاديًا خطيرًا، إذ تعتمد آلاف العائلات الفلسطينية على موسم الزيتون كمصدر رزق أساسي، مضيفًا أن الاحتلال “يحاصر الفلسطيني في لقمة عيشه” عبر استهداف شجر الزيتون.

وأوضح أن موسم الزيتون يعد مصدر رزق لأكثر من 100 ألف أسرة فلسطينية، بحسب تقديرات رسمية فلسطينية، ما يجعل استهداف الأشجار محاولة لخنق السكان اقتصاديًا ودفعهم نحو الرحيل التدريجي.

خارطة اعتداءات تتسع في الضفة

ولا تقتصر الاعتداءات على نابلس، إذ تمتد إلى مناطق عدة في الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة.

اقتلاع عشرات الأشجار في جالود جنوب نابلس

ففي بلدة جالود جنوب نابلس، صرّح شهود محليون لـ"النجاح" أن أعمال التجريف مستمرة في أراضٍ زراعية واسعة، تزامنًا مع اقتلاع مئات الأشجار تمهيدًا—بحسب الأهالي—لتوسعة مستوطنة قريبة.

وفي سلفيت، أفادت مصادر محلية لـ"النجاح" باقتلاع عشرات أشجار الزيتون المعمرة قرب مدخل ديراستيا، فيما شهدت ترمسعيا شمال رام الله اعتداءات متكررة طالت المزارعين ومنعتهم من الوصول إلى أراضيهم تحت حماية جيش الاحتلال.

أما في الأغوار الفلسطينية، فتشير تصريحات محلية لـ"النجاح" إلى استمرار عمليات تهجير تدريجي لتجمعات بدوية والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية.

بين الاقتلاع والصمود

وفي ظل هذا المشهد الممتد من نابلس إلى الأغوار، يتمسك الأهالي بأرضهم عبر إعادة زراعة ما يتم اقتلاعه، وتنظيم الحراسة الميدانية، والتوجه إلى المؤسسات الحقوقية لتوثيق الانتهاكات.

ويقول عويس إن أهالي اللبن الشرقية “لا يملكون خيارًا سوى الصمود”، مؤكدًا أن الأرض تُزرع من جديد كلما اقتُلعت، وكأن الزيتون هناك يُقاوم الفناء كل مرة.

في برقة واللبن الشرقية وجالود وسائر قرى الضفة الغربية، يتكرر المشهد ذاته: اقتلاعٌ من جهة، وغرسٌ من جهة أخرى. وبين الفعلين، تتشكل معركة طويلة لا تدور فقط حول الأرض، بل حول الوجود نفسه… حيث يبقى الزيتون شاهدًا على صراعٍ بين الاقتلاع والبقاء.