النجاح الإخباري - بقلم محسن،
مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية
في كلّ عصرٍ مسلّماتٌ يقينية يحسبها أهلها منتهى المعرفة، إلى أن يطلّ عليهم من يكشف أنها عادةٌ ذهنية لا قانونٌ محفورٌ في الصخر. ترصد رسالة الماجستير موضوع المقال، لطالبة الماجستير التركية أوميت يوكسولوغلو ديوجي من جامعة ماكغيل (٢٠٠٣)، لحظتين من لحظات هذا الكشف يفصل بينهما تسعة قرون، وتسأل سؤالًا غريبًا:
كيف يلتقي لاهوتيٌّ مسلم من العصر الوسيط بمؤسّسي الفيزياء الكمومية عند المفترق ذاته، وقد أتاه هذا من طريق العقل والنقل، وأولئك من طريق المختبر؟
أبو حامد الغزالي (٤٥٠–٥٠٥هـ / ١٠٥٨–١١١١م)، حجّة الإسلام، فقيهٌ ومتكلّمٌ وصوفيٌّ وفيلسوف، من أعمق من نحت ملامح الفكر الإسلامي. جمع علوم زمانه وحاكمها من الداخل، فردّ إلى التصوّف اعتباره في «إحياء علوم الدين»، وزعزع ثقة الفلسفة المشّائية بنفسها في «تهافت الفلاسفة». وفي هذا الكتاب يفنّد عشرين مسألة من مسائل الفلاسفة، أخطرها المسألة السابعة عشرة، التي يقرّر فيها أنّ «اقتران الأسباب بالمسبَّبات ليس ضروريًّا». هناك يضرب صميم السببية: العلاقة بين العلّة والمعلول، وما يترتّب عليها من إمكان المعجزة.
ما يهاجمه الغزالي ليس السببية ذاتها، بل ضرورتها. النار والإحراق، الخبز والشبع، الدواء والشفاء؛ ما نسمّيه علّةً ومعلولًا اقترانٌ مطّرد نشهده، لا رابطةٌ لازمة نملك إثباتها. ملاحظة الظاهرة تُرينا التعاقب وحده، لا اللزوم؛ فالسببية عنده ممكنٌ (contingent) مطّردٌ لا ضرورةٌ واجبة (necessary). ولا شيء في رؤية النار تلامس القطن يثبت أنّ الإحراق صادرٌ عنها لا عن فاعلٍ آخر يخلقه عندها؛ فالفاعل الحقيقي، عند الغزالي، إرادةُ الله الحرّة، تخلق ما تشاء كيف تشاء.
ووراء هذه النقلة هدفٌ محدّد: إثبات إمكان المعجزة. إبراهيم لا تحرقه النار، وعصا موسى تنقلب حيّة، والموتى يُبعثون. فإن لم يكن الرابط بين النار والإحراق لازمًا، وإنما معلَّقًا على المشيئة، صار تعطيله أمرًا ممكنًا غير ممتنع، ومعقولًا غير مستحيل. المعجزة عنده خرقٌ للعادة لا نقضٌ للعقل، وعلى هذا التمييز يقوم دفاعه كله.
ويبلغ الغزالي أدقّ مواضع حجّته حين يردّ على اعتراضٍ متوقَّع. قال له الفلاسفة: إن جاز ألّا تحرق النار، فلن تأمن أن يكون كتابك قد صار في غيابك فرسًا، أو أن ينقلب الرماد مسكًا والحجر ذهبًا؛ وبهذا ينهار كل علمٍ بالعالم. لا يفزع الغزالي من هذا اللازم، وإنما يفصل بين «الضروري necessary» و «المعتاد customary». فالله يخلق فينا العلم باطّراد العادة — أي انتظام جريان الأشياء على نسقٍ واحد يتكرّر حتى يصير متوقَّعًا — وبهذا العلم يثبت في النفوس توقّعٌ راسخ بأنّ ما جرى سيجري. يبقى للعلم وللحياة اليومية موطئُ قدمٍ ثابت، لكن على أنّه عادةٌ مطّردة لا ضرورةٌ حاكمة؛ وحين يخرق الله العادة، يمسك عنّا ذلك العلم. فالنظام حقيقيّ غير أنه «ممكن contingent»، يُعتمَد عليه دون أن يُلزِم.
ومن هنا تنتقل الرسالة إلى الفيزياء، وإلى انهيار العالم النيوتني. قرنان من الفيزياء الكلاسيكية رسما كونًا حتميًّا تحكمه قوانين صارمة، يقف منه راصدٌ محايد يراه كما هو دون أن يمسّه. ثم جاء عام ١٩٠٠، فوجد ماكس بلانك أنّ الطاقة لا تنساب في تيّارٍ متّصل، وإنما في حُزَمٍ منفصلة سمّاها الكمّات (quanta)، فبدأ الصدع. ومن بعده جيلٌ غيّر معنى الواقع الفيزيائي: نيلز بور بقفزاته الكمّية، وفيرنر هايزنبرغ بمبدأ اللايقين (uncertainty principle)، وماكس بورن بتأويله الاحتمالي، وهم نواة مدرسة كوبنهاغن؛ ومعهم ألبرت أينشتاين الذي فتح الباب ثم تردّد أمام عواقبه، وإرفين شرودنغر بميكانيكا الموجة، ولوي دو بروي بازدواج المادة. هؤلاء هم محاورو الغزالي وخصومه في هذا البحث.
وما أحلّته الفيزياء الكمومية محلّ تلك الصورة يقلب أساسها. في ما دون الذرّة، يشوّش فعلُ الرصد نفسه ما يرصده، لا لقصورٍ في الأدوات بل لطبيعة المادة ذاتها كما يقرّر هايزنبرغ. مبدأ اللايقين يمنع الجمع بين معرفة موضع الجسيم وزخمه معًا بدقّةٍ تامّة، وقانون الكمّ احتماليٌّ لا حتميّ، والمادة تحمل صفتَي الموجة والجسيم في آنٍ واحد، وتظلّ احتمالاتها متراكبة إلى لحظة الرصد، فتنهار الدالة الموجية (wave function) إلى حالةٍ واحدة. هكذا سقطت الحتمية والملاحظة الموضوعية معًا.
وهنا يلتقي الخطّان في أربع نقاطٍ هي عصب المقارنة: إنكار سببيةٍ ضرورية كامنة تحكم الطبيعة؛ وتعذُّر بلوغ الملاحظة البشرية صورةً موضوعية «صادقة دائمًا» عن الواقع؛ وإعادةُ نظرٍ مفروضة في حدود الممكن والمستحيل في العالم المادي؛ ودعوةٌ إلى مراجعة الطريق التي نعرف بها الطبيعة من أصلها. منهجان متضادّان، وانقلابٌ واحد على يقين العصر السائد في كلٍّ منهما.
وأعمق ما في هذا التوازي مسألةُ الراصد ومكانة الوعي. عند الغزالي، تبلغ نفس النبيّ — كما يسلّم الفلاسفة بأنها أرقى من نفوس العامّة — قوّةً تؤثّر بها في العالم المادي، فتستخرج من جملة الممكنات واقعًا واحدًا غير منتظَر. وفي تفسير كوبنهاغن، فعلُ المراقبة هو ما يُسقط الاحتمالات المتراكبة، وهي بعدُ في حال الإمكان (potentiality)، في حالةٍ واحدة متحقّقة (actuality). ويذهب بعض الفيزيائيين إلى أبعد من ذلك، فيضعون الوعي في مفصل التحقّق نفسه، حتى يرى بعضهم أنّ الله هو الراصد الأعلى الذي يُسقط كلّ دالةٍ موجية. وكلا التقليدين يعيد فتح السؤال عن موقع العقل في الواقع الفيزيائي.
على أنّ الأطروحة لا تُخفي مواضع انكسار التوازي. الغايتان مختلفتان: الغزالي يطلب إثبات قدرة الله، والفيزيائيون يطلبون فهم الطبيعة. والمنهجان متباعدان: حجّةٌ منطقية نقلية في مقابل تجربةٍ مخبرية. بل بينهما تناقضٌ صريح في تفاصيل بعينها: يرى الغزالي أنّ الضدّين لا يجتمعان، فلا يكون الجسم أبيض وأسود معًا، ولا يكون المرء في الدار وخارجها في آن؛ والتراكبُ الكمّي (superposition) وتفسيرُ العوالم المتعددة يثبتان هذا الاجتماع عينه. ويمنع الغزالي خلق الإدراك في الجماد — وهو ما يسمّيه «خلق العلم في الجماد» — إذ الجماد عنده ما لا يُدرِك، في حين يجنح بعض الفيزيائيين إلى فرضية إلكترونٍ واعٍ أو كونٍ واعٍ. وهذه الشروخ جزءٌ من الصورة لا تُمحى منها.
يبقى أنّ المقصود ليس إثبات أنّ الغزالي «سبق» الفيزياء الكمومية، وإنما أنّ كليهما، في عصره، صنع الفعل الثوري نفسه: تفكيك اليقين غير المُساءَل الذي ساد زمنه في أمر الطبيعة والمعرفة. وتعترف الباحثة بأنّ منهجها غير منتظمٍ عن قصد، منهجٌ «غزاليّ» يختار بحرّيةٍ بين خيوط الاستدلال طلبًا لفهمٍ كليّ لا لبرهانٍ محكم. وقيمة العمل في دعوته أكثر منها في تطابقٍ دقيق: أن نقرأ اللاهوت والفيزياء، الشرق والغرب، الوسيط والحديث، أحاديثَ في سؤالٍ واحد: ما الواقع، وإلى أيّ مدًى يبلغه العقل البشري؟ وأن نلتمس القرابة عبر الحدود التي نرسمها بين حقول المعرفة.
قراءة نقدية
ومع وجاهة المقارنة وجرأة أفقها، يبقى موضع النقد الأبرز أنّ الأطروحة تميل أحيانًا إلى توسيع التوازي حتى يوشك أن يتحوّل من تشابهٍ منهجي إلى قرابةٍ مضمونية. فالغزالي لا يقدّم نظرية فيزيائية عن الطبيعة، ولا ينفي النظام الطبيعي بما هو انتظامٌ مشهود، وإنما ينفي ضرورته الميتافيزيقية دفاعًا عن القدرة الإلهية وإمكان المعجزة. أما الفيزياء الكمومية فلا تنقض السببية بالمعنى الكلامي، ولا تفتح بالضرورة باب الإرادة أو الغيب، بل تعيد صياغة العلاقة بين القياس، والاحتمال، ووصف الحالة الفيزيائية. لذلك فإنّ قوة الأطروحة تكمن في المقارنة بوصفها تمرينًا إبستمولوجيًا على زعزعة الضرورة، لا في جعل الغزالي سلفًا للكمّ أو جعل الكمّ شاهدًا حديثًا على علم الكلام.
كما أنّ موضع الوعي والراصد يحتاج إلى احترازٍ أكبر. فليس كل حديثٍ كمومي عن القياس يعني أنّ الوعي يُنشئ الواقع، ولا تمثّل مدرسة كوبنهاغن الفيزياء الكمومية كلها. وقد حاولت تفسيراتٌ أخرى، ومنها التفسير الأنطولوجي (ontological interpretation) عند بوم وهيلي، أن تفهم القياس بوصفه حالةً خاصة من العملية الكمومية، لا فعلًا ذهنيًا خالصًا، وأن تتجاوز اختزال النظرية في معرفة نتائج الأجهزة إلى السؤال عمّا تكون عليه العملية الفردية ذاتها. ومن هنا تبدو بعض المقارنات بين نفس النبي، أو الراصد الأعلى، وانهيار الدالة الموجية أقرب إلى استعارةٍ فلسفية خصبة منها إلى تماثلٍ حجاجي صارم. والحكم الأخير أنّ الأطروحة تنجح حين تجعل الغزالي والكمّ شاهدين على هشاشة اليقين الضروري، لكنها تتعثّر حين تنقل هذا التشابه إلى مستوى الغاية، والمنهج، ومعنى الواقع نفسه.