شبكة النجاح الإعلامية - النجاح الإخباري - هذه القصة عمل أدبي إنساني، كتبها الكاتب الإسباني José Asensio، وأرفقها برسم تعبيري أنجزته ابنته Esther.
تعبر بعمق عن الواقع الإنساني الصعب في ظل حرب الإبادة في قطاع غزة..
إلى خواني، وإلياس، وأطفالهما، وإلى فلسطين كلها.
أيُّ نوعٍ من الرسائل كانت تلك؟
أنا على يقين بأنها لم تكن مكالمة هاتفية، لكنها دوَّت في هاتفي برنينٍ مفاجئ أيقظني مذعورة. استيقظت وأنا في حالة من الاضطراب؛ إذ لم أكن قد نمت طوال الليل، وكنت قد نسيت إطفاء هاتفي الذي أمضى اليوم بأكمله يستقبل، بلا انقطاع، رسائل التهنئة بعيد الميلاد.
أجبت بعض أفراد عائلتي وأصدقائي المقربين، وتجاهلت رسائل أولئك الذين لا يتذكرون وحدتي الدائمة إلا في مثل هذه الأيام، وتحديدًا في ليلة الميلاد، تلك الليلة التي تفرض التقاليد فيها على الجميع أن يكونوا سعداء.
أما أنا، فقد فقدت كل شيء؛ فقدت والديَّ، وأختي التي لم يصلني عنها أي خبر منذ سنوات. وكان الكبرياء المتأصل في شخصيتينا يجعل أياً منا عاجزة عن اتخاذ الخطوة الأولى وإجراء تلك المكالمة التي يُفترض أن تكون بداية للمصالحة، وبلسمًا للألم، وجسرًا يعيد ما التهمه النسيان المزمن، ذلك النسيان الذي يظل رابضًا في صمت، في زاوية من زوايا وجودنا.
إنها المكالمة التي لا تأتي أبدًا. ننتظرها، ونتمنى إجراءها، بل إنني ــ على الأقل ــ كنت أصل أحيانًا إلى حد طلب الرقم، ثم أتراجع خوفًا؛ ربما لأنني كنت مقتنعة بأن الإحباط والحزن سيغمرانني من جديد عندما أسمع الصوت القادم من الطرف الآخر، أو ربما لأن أحدًا لن يجيب أصلًا.
كانت الرسالة مكتوبة باللغة الإنجليزية.
Help!
"النجدة"!
كان الرقم مجهولًا تمامًا بالنسبة إليّ.
ولا أبالغ إن قلت إنني شعرت بالخوف.
لقد حذرني أبنائي مرارًا من خطورة الرد على الرسائل مجهولة المصدر أو المشبوهة. ومع ذلك، كان حدسي يخبرني أنني لا أستطيع أن أبقى غير مبالية بذلك النداء الذي خيّل إليّ أنه صرخة استغاثة.
رددت بإرسال رمز للتحية متبوعًا بعلامة استفهام، مع أنني كنت أستطيع أن أكتب كلمة مثل Hi أو Hello.
انتظرت أكثر من نصف ساعة دون أن يصلني أي رد، وبدأ نفاد صبري يزداد شيئًا فشيئًا.
عندها خطر لي أنها ربما تكون مزحة من أحد المراهقين الذين عثروا على رقمي في مكان ما وقرروا العبث بي، أو ربما إخافتي... من يدري؟
تركت الهاتف فوق طاولة المطبخ، وصعدت إلى الطابق العلوي حيث كانت "بيلا"، كلبتي الصغيرة التي تبنيتها من أحد مراكز رعاية الحيوانات في قرطبة، ما تزال نائمة عند أسفل سريري.
لم تنتبه إلى دخولي حتى ناديتها باسمها، ففتحت عينيها الصغيرتين ببطء، وتمددت طالبةً مني أن أحكَّ بطنها الأبيض الناعم الرقيق.
وحين شبعت من الدلال، وضعتها في سلّتها، وخلعت ملابسي، ودخلت إلى الحمام.
لا شيء يمنحني الاسترخاء أكثر من شعور الماء وهو ينساب برفق على وجهي وجسدي. وإذا امتزج ذلك بسحر رائحة الخزامى أو الياسمين، فإنني أستطيع أن أمكث هناك أكثر من ساعة.
لم يكن أحد ينتظرني، ولم تكن لدي أي خطط لذلك اليوم.
ولم يخطر ببالي قط أن ذلك اليوم الذي بدا هادئًا إلى هذا الحد سيغيّر حياتي، وربما يغيّر شخصيتي أيضًا.
هممت بإعداد فنجان من القهوة مع قليل من شراب الصويا، وبعض شرائح الخبز المحمص، حين وقع بصري على الهاتف الذي كنت قد تركته فوق سطح المطبخ.
حتى أنا نفسي لم أعد أتذكر كيف وصل إلى هناك.
ربما كان ذلك نتيجة خمول الصباح الذي يلازمني، أو ثمرة ذلك الحزن العميق الذي ظل، منذ زمن طويل، عالقًا بجسدي وروحي كما تلتصق إفرازات العين بعد الاستيقاظ.
كنت أحاول مقاومته، وأن أبدو متماسكة أمام أبنائي، حتى لا أقلقهم.
لكن كان من المستحيل ألا يلاحظوا، عاجلًا أم آجلًا، اكتئاب أمهم، وافتقادها الرغبة في الحياة، وهو ما كان، على الأرجح، نتيجة فقدان زوجي قبل أشهر.
وليس هو محور هذه القصة، لكن "خورخي" كان ملاكًا في حياتي؛ الرجل الذي أنقذني من هاوية أخرى عشتها في هذا العالم، هاوية الاحتقار والإهانات المتواصلة التي كنت أتعرض لها من والدي.
لم أكن أصدق أن رجلًا آخر يمكن أن يخلّصني من كل ذلك.
وفي صباح من شهر أبريل، خرج خورخي إلى عمله، بعد أن ودعني بقبلة ما زلت أشعر بدفئها على شفتي.
وبعد ساعتين فقط، جمدت مكالمة سكرتيرته الدم في عروقي.
لقد مات خورخي إثر أزمة قلبية خاطفة داخل مكتبه، دون أن يتمكن من طلب النجدة، أو حتى رفع يده في محاولة يائسة لتنبيه أحد إلى ما كان يفتك بجسده.
تناولت الهاتف بشكل تلقائي.
لم أكن أنتظر رسالة من أحد، فضلًا عن مكالمة.
كان أبنائي قد اعتادوا نمط هذه الحياة الحديثة التي تحكمها قواعد غير مكتوبة، حتى أصبحت اتصالاتهم بي تتم في الأيام نفسها، وفي الساعات نفسها، وكأنها مبرمجة سلفًا.
في الحقيقة، كنت قد نسيت تمامًا رسالة الاستغاثة التي ظهرت على شاشة هاتفي قبل ساعة، كما نسيت أنني كنت قد رددت عليها بتحية مقتضبة، من دون أن أتوقع أي رد.
لكن هذه المرة...
كانت الرسالة باللغة العربية.
نص طويل، مكتوب بلغة لا أعرفها، لكنني كنت أميزها من تلك الحروف المتعرجة المزدانة بالنقاط، التي تمنحها مظهرًا أقرب إلى لوحة فنية.
كانت كل كلمة تبدو كأنها لوحة مستقلة، أو رسم، أو ضربة فرشاة، تكاد الألوان تنبض منها.
مررت بإبهامي حتى نهاية الرسالة لأعرف طولها.
وبالطبع، لم أفهم منها شيئًا.
وكان أول ما خطر ببالي أن أنسخها وألصقها في أحد برامج الترجمة.
وهذا ما فعلته.
اسمي فارا. لقد قُتلت عائلتي كلها في هجوم شنه الجيش الإسرائيلي. انهار المبنى فوق رؤوسنا. والداي، وإخوتي الخمسة، وجدتي، لا بد أنهم الآن تحت الأنقاض. وحتى قبل دقائق قليلة، كنت ما أزال أسمع أنين أحد إخوتي. أنا عالقة تحت الركام، لكنني ما زلت على قيد الحياة. أعتقد أن ساقي مصابة إصابة بالغة، لكنني حية.
في الأسبوع الماضي قُتل أعمامي الذين كانوا يعيشون في شمال غزة، وقبل شهرين اغتيل عمي الآخر، وكان صحفيًا.
لقد طلبت رقمًا عشوائيًا. آمل أن تكون دعواتي قد قادت رسالتي إلى شخص ليس بعيدًا جدًا، يستطيع أن يحضر لي بعض الماء والطعام.
كل ما يحيط بي دمار. وما زال الدخان يتصاعد من مستشفى العودة، آخر مستشفى كان لا يزال يعمل. لم يبق فيه أي مريض على قيد الحياة. مات الجميع. لم ينجُ أحد. قتلوا الأطباء، وقتلوا الممرضات، ودمروا البنية التحتية الكهربائية. ومات جميع الأطفال الرضّع الذين كانوا داخل الحاضنات.
كما قُتلت معلمتي قبل أشهر، ومعها ابنتاها الصغيرتان.
أدعو الله كل يوم أن تنتهي هذه المأساة، وأن يأتي أحد لينقذني، وأن يبقى في هذا العالم شيء من الإنسانية يوقف هذه الوحشية.
الناس يتجولون بين الأنقاض بحثًا عن أفراد عائلاتهم. لم يعد هناك طعام. الماء شحيح، ولا أعرف إلى أين أذهب. لم تعد هناك متاجر، ولا مدارس. كل شيء أصبح خرابًا.
أرجوكم... ليأتِ أحد لمساعدتي.
أنهيت قراءة الرسالة والدموع تملأ عيني، ليس فقط بسبب ما كانت تلك الطفلة ترويه، بل لأنني كنت، منذ أشهر، أتابع الأخبار الواردة من تلك البقعة من العالم، عاجزة عن فهم صمت المجتمع الدولي.
والمفارقة أن حزني الشخصي لم يتمكن من إقصاء مآسي البشر عن تفكيري. كان ذلك أمرًا لا أستطيع تفسيره؛ فمن الطبيعي، في ظل ما كنت أمر به، أن أنغلق على نفسي، وأتجاهل كل ما يحدث حولي، وأن أتحول إلى شخص لا يعنيه سوى ألمه هو.
لكنني، على العكس، وجدت نفسي قد نسجت نوعًا من الارتباط العاطفي مع أولئك الناس. وربما كان لذلك علاقة بأصدقاء لي يعيشون في بيت ساحور، بالقرب من بيت لحم، كانوا يحدثونني عن الأهوال التي تتوالى هناك منذ عقود.
كنت أستمع إلى شهاداتهم مذهولة؛ شهادات تتجاوز كل حدود القانون الدولي، عن إبادة جماعية وتطهير عرقي واضحين في قسوتهما، ومع ذلك لا يبدو أن أحدًا يريد أن يضع حدًا لهما.
لقد أمضيت سنوات أحاول فهم هذا الغياب المريع للإنسانية، وما زلت أبكي كلما أخبرني أصدقائي الفلسطينيون عن نساء حوامل ينزفن حتى الموت عند نقاط العبور وهن ينتظرن تصريحًا يسمح لهن بالوصول إلى المستشفى، أو عن مرضى سرطان يحتضرون لأنهم عاجزون عن الحصول على الدواء أو إجراء عملية جراحية.
والسرطان، على وجه التحديد، بات من أكثر الأمراض انتشارًا في تلك المنطقة. كما أن استخدام المواد الكيميائية، التي يُحظر معظمها دوليًا، يمثل، بحسب ما يراه الكاتب، إحدى الوسائل التي تستخدمها الحكومة الصهيونية لتنفيذ ذلك التطهير العرقي المستتر.
أما الأثر الجانبي لهذه المأساة، فهو الارتفاع الهائل في معدلات الانتحار والأمراض النفسية.
لم تعد لدي دموع حين أتأمل ذلك الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وما يصاحبه من عمليات قتل مستهدفة، وتدمير للبنية التحتية، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، بينما يصيب الجنود الإسرائيليون النساء والمراهقين الذين يتظاهرون سلميًا بعدما سُلبت منازلهم، وصودرت أراضيهم، واقتُلعت أشجار زيتونهم؛ ذلك الرمز الفلسطيني الأبرز وأحد أهم أسس اقتصادهم.
يتركونهم ينزفون حتى الموت أمام نظرات الكراهية التي يرمقهم بها المستوطنون، وهم يرفعون الأعلام التي تتوسطها نجمة داود ابتهاجًا بما يحدث.
ونساء... دائمًا نساء... يسقطن أيضًا عند المعابر الحدودية، لأن الجنود أنفسهم تلقوا أوامر بمنعهن من الوصول إلى المستشفيات.
وعندما أشاهد تلك الصور لأجساد الأطفال الممزقة، وللآباء والأمهات وهم يحتضنون أبناءهم القتلى على أيدي قتلة امتلأت نفوسهم بالانتقام والكراهية، لا أملك سوى أن أحبس دموعي.
يقولون لي: إن ذلك بعيد جدًا... ولا يعنينا.
أما أنا، فأفكر في أولئك الأطباء الذين ماتوا تحت أنقاض المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية، وفي المعلمين الذين فقدوا كل أمل في أن تصبح فلسطين يومًا بلدًا تسوده الثقافة والاحترام.
وأفكر أيضًا في الموسيقيين، والشعراء، والصحفيين الذين لن يتمكنوا أبدًا من تقديم مواهبهم للعالم، لأن قنابل الصهيونية أنهت كل آفاق السلام.
مثل هبة كمال أبو ندى، الشاعرة والروائية.
ومثل محمد سامي قريقع، الفنان الذي كان يلهو مع الأطفال في المستشفيات قبل أن يُقتل.
ومثل فيولا ويارا عماش، اللتين لجأتا إلى كنيسة أرثوذكسية ثم قُتلتا بالقصف الإسرائيلي.
ومثل رشدي سراج، الصحفي الذي كتب في إحدى آخر منشوراته على إنستغرام:
"ما زلنا نحاول الصمود ومواصلة التغطية حتى يرى العالم الجرائم الإسرائيلية في غزة."
ومثل هالة أبو سعدة، الطفلة ذات الثلاثة عشر عامًا، التي كانت تحلم بأن تصبح مغنية، وتعشق المسرح والتصوير والرسم، لكنها قُتلت مع والدتها وشقيقتها في مخيم جباليا.
ومثل الكاتب يوسف ماهر الدواس.
كنت أتمنى لو أكون هناك...
أن أنظر في عيني ذلك الشرطي، أو ذلك الجندي، وأحاول أن أعرف إن كانت لا تزال تختبئ خلف بزته العسكرية بقية من الإنسانية.
كنت أود أن أحدثه، وأن أقول له إن الطفل الذي يستعد لقتله بلا سبب يحلم بالأشياء نفسها التي كان هو يحلم بها عندما كان في مثل سنه.
أن أشرح له أن ذلك العنف المجاني، وذلك القتل المشبع بالكراهية، لن يقود إلى شيء سوى مزيد من الكراهية والمزيد من الموت.
وكنت أتمنى أن أجلس إلى جانبه، وأن يضع سلاحه أرضًا، ثم يحدثني عن أشياء كثيرة...
لماذا أطلق تلك الرصاصة؟
ولماذا سيسيل ذلك الدم بعد لحظات فوق الإسفلت، فوق تلك الأرض التي كان ينبغي أن تتسع للجميع، لا لقلة فقط؟
وكنت سأذكره بإبادة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وبالتشابه الواضح بين تلك الجريمة وما هو على وشك أن يفعله، وما قررت دولته الإقدام عليه.
وكنت سأسأله:
هل لديك أبناء؟
هل ترغب في أن يكون لك أبناء؟
هل تريد سلامًا دائمًا؟
وتعايشًا؟
واحترامًا متبادلًا؟
وربما كان سيجيب بالنفي، لأن الهدف الحقيقي من قتل الأطفال، في نظر الكاتب، هو القضاء على أي إمكانية للتعايش أو التفاهم.
وربما لم يكن ليجيب أصلًا...
وربما لم يكن ليسمح لي بالكلام...
وربما كنت أنا أيضًا سأُقتل برصاصة إلى جانب ذلك الطفل.
لكنني كنت سأوقف الزمن.
وسأستثمر كل لحظة لأقنع ذلك الإنسان بأنه لا يستحق أحد أن يُقتل، وأن ذلك الطفل، وكل الأطفال الذين سيأتون بعده، لا يستحقون أن يموتوا بهذه الطريقة، لأن نضالهم الحقيقي ينبغي أن يكون نضال جميع سكان تلك الأرض: أن يعيشوا في سلام.
وكنت سأؤكد له أن ذلك الطفل، كما أطفال أصدقائه، لا يريد سوى أن يلعب، وأن يكبر، وأن يتعلم القراءة والكتابة، وأن يعتني بإخوته ووالديه، وأن يدرس، وأن يكسب رزقه مثل أي إنسان آخر.
ما الفرق بين أحلام طفل إسرائيلي وأحلام طفل فلسطيني؟
لا شيء...
لا فرق على الإطلاق.
وكنت سأظن أنني أرى في عينيه بصيصًا من الإنسانية، وربما شيئًا يشبه الهزيمة الداخلية، أو قبولًا بما أقوله.
وسيكون سلاحه قد استقر إلى جواره، ولم يعد يقبض عليه كما في البداية.
وسأسعى لأن يقترب ذلك الطفل وذلك الجندي من بعضهما، وأن يتصافحا، وأن يتعانقا.
وكم كنت سأرجو أن يصبح ذلك واقعًا دائمًا، وأن يتحول التعاون بين الناس، منذ ذلك اليوم، إلى نموذج يحتذى به للسلام في العالم.
وعندها... لن يكون هناك مزيد من الموتى.
لكن شيئًا من ذلك لم يكن ليحدث.
فالجندي سيقتل، بلا رحمة وبكل قسوة، ذلك الطفل المسكين.
سينفذ إعدامه تنفيذًا لخطة وضعتها حكومته بهدف القضاء على الشعب الفلسطيني.
إبادة جماعية مكتملة الأركان.
إبادة مروعة تتم وسط صمت متواطئ من المجتمع الدولي.
ولن أستطيع سوى مواساة تلك الأسرة الفلسطينية التي حطمها الألم من الداخل والخارج.
سأبكي معهم، وسأظل ألوم نفسي لأنني لم أستطع إنقاذ ذلك الطفل، ولم أفلح في إقناع الجندي بعبثية ما ارتكبه.
وسأغادر ذلك المكان وأنا أتساءل: هل الموت هو حقًا الحل؟ أم أن الجلوس إلى طاولة الحوار لا يزال يستحق المحاولة؟
وستظل في ذاكرتي إلى الأبد النظرة الباردة لذلك الجندي، العاجز عن رؤية طريق آخر غير الرصاصة القاتلة، والعاجز عن التمرد أو الصراخ في وجه ذلك الفعل الدنيء، والمشلول عن التفكير بنفسه، والذي اختار الطريق الأسهل لحل ما يراه مشكلة: أن يفرغ سلاحه في بطن طفل أعزل.
يا إلهي...
يا له من حديث داخلي عقيم!
كانت طفلة تستغيث بي، بينما كنت أنا أتوه في تأملات فلسفية حول صراع متجذر في الزمن والتاريخ، يبدو أنه لن يجد حلًا أبدًا.
كانت إحدى صديقاتي، التي اعتادت الاستماع إلى تأملاتي خلال جلسات الشاي والحلوى، تقترح عليّ أن أكتبها في إحدى الصحف المحلية، وأخبرتني أنها تعرف مدير صحيفة رقمية تأسست قبل ثلاثة عشر عامًا، وأنه ربما يمنحني زاوية رأي خاصة أنشر فيها مقالاتي.
كنت أضحك من غرابة الفكرة.
ففي مثل سني، لن يفكر أحد في منحي فرصة كهذه.
لكنها كانت تصر على أن الكتابة وسيلة للخروج من الهوة التي غرقت فيها، وهي هوة تعرفها جيدًا.
كتبت إلى فارا بالعربية، مستعينة بالطبع ببرنامج الترجمة.
قلت لها أن تخبرني بمكانها بدقة.
وأوضحت لها أنني موجودة في برشلونة، في إسبانيا، بعيدًا جدًا عنها، لكنني سأبذل كل ما أستطيع لإخراجها من هناك.
أخبرتها أنني سأتواصل مع القنصلية الإسبانية في القدس، وأنني سأبتكر أي وسيلة ممكنة لإنقاذها.
وكان ذلك أول ما فعلته.
استقبل القنصل اتصالي في اليوم التالي.
لم تكن لدي معلومات كثيرة؛ كل ما أعرفه أن الطفلة كانت قريبة من مستشفى العودة.
ووعدني بأنه سيبذل كل ما في وسعه.
ثم سألني إن كانت فارا إحدى قريباتي.
فأجبته: نعم.
لم تجب “فارا” على رسالتي الأخيرة قط. وبعد شهر، توفي القنصل في هجوم على غزة، ما أثار أزمة دبلوماسية بين الحكومتين الإسبانية والإسرائيلية ما تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم. كنتُ أُقنع نفسي دائمًا بأنه وصل إليها في النهاية، وأنه حملها معه بعيدًا… لكنه لم يبلغ وجهته أبدًا.
واصلتُ، بين حين وآخر، كتابة رسائل إلى “فارا”، أعلّق أملي على معجزةٍ ما. وحدثت المعجزة فعلًا… أمس.
كنتُ في مدريد، داخل مركز تجاري. سافرتُ من برشلونة لحضور معرض في متحف برادو. هناك، شدّني شيء ما في المكتبة الضخمة التي كانت تشغل الطابق الأرضي. كان هناك حفل توقيع لكتاب يحمل عنوان: «نداء فارا».
اهتزّ قلبي بعنف. أهي هي؟ لا… هذا مستحيل تمامًا. ماذا تفعل “فارا”، فاراي أنا، في مدريد؟
اقتربتُ من شابة كانت تُوقّع الكتب، وقد التفّ حول عنقها وشاح فلسطيني. رفعت عينيها نحوي.
قلتُ بصوتٍ مرتجف:
— مرحبًا يا فارا… أنا لوسيا. أتتذكرينني؟
انفجرنا بالبكاء، كطفلتين فقدتا القدرة على الكلام، وتعانقنا طويلًا دون أن ندري ماذا نقول.
ثم بدأت تردّ عليّ بإسبانية متعثّرة قليلًا، وروت لي قصتها… كيف أن القنصل نجح في إخراجها من هناك، وأحضرها إلى إسبانيا. وهناك بدأت حكاية أخرى… حكاية جديدة تمامًا.
وكانت تنتظرني بشوقٍ كي ترويها لي.