النجاح الإخباري - د. ياسر أبو بكر

كاتب رأي

ليست المؤتمرات الحركية مجرد استحقاقات تنظيمية لتجديد القيادات أو توزيع المواقع، بل هي في جوهرها لحظة مراجعة تاريخية تعيد فيها الحركات الكبرى فحص ذاتها، وتشخيص أزماتها، وإعادة تعريف دورها الوطني والسياسي. وفي حركات التحرر تحديدًا، يصبح المؤتمر ضرورة وجودية، لأنه الإطار الذي تُطرح فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف نصل؟
وحين تُختزل هذه الأسئلة بسؤال واحد: "من سيفوز؟"، تبدأ الحركة بفقدان معناها، حتى لو احتفظت بشكلها التنظيمي وقدرتها على الحشد.

حركة فتح لم تكن يومًا حزبًا تقليديًا، بل حركة تحرر وطني قادت المشروع الفلسطيني لعقود طويلة، وحملت الهوية الوطنية في أصعب مراحلها. كانت مدرسة لإنتاج الكادر الوطني في المخيم والجامعة والنقابة والسجن والميدان، وكانت العضوية فيها تعني التزامًا وتضحية أكثر مما تعني موقعًا أو امتيازًا.

لكن التحول الأخطر بدأ تدريجيًا بعد قيام السلطة الفلسطينية، حين انتقل مركز الثقل من "الحركة" إلى "السلطة"، ومن "البرنامج الوطني" إلى "الإدارة اليومية"، ومن "المثقف المناضل" إلى "الموظف الحزبي". ومع غياب المؤتمرات لفترة طويلة بعد أوسلو، تراجعت الحياة التنظيمية، وضعفت المساءلة الداخلية، وبدأت تظهر ملامح الشيخوخة السياسية والانفصال التدريجي بين القيادة والقاعدة.

وحين انعقد مؤتمر بيت لحم عام 2009 بعد الانقسام وخسارة غزة، كان يُفترض أن يكون مؤتمر مراجعة تاريخية تُسائل فيه الحركة نفسها: لماذا خسرنا غزة؟ وكيف تراجعت الثقة الشعبية؟ لكن المؤتمر انشغل أكثر بإعادة ترتيب القيادة من إعادة تعريف المشروع الوطني. ثم جاء مؤتمر 2016 ليكرّس حالة التثبيت أكثر من التجديد، فبقيت الأسئلة الكبرى معلقة: الانقسام، والشباب، والبرنامج الوطني، والعلاقة المرتبكة بين الحركة والسلطة.

واليوم، ونحن أمام المؤتمر الثامن، يبدو واضحًا أن المؤتمر سيتجه في جوهره ليكون مؤتمرًا انتخابيًا أكثر منه مؤتمر مراجعة شاملة. وهذا ليس اتهامًا بقدر ما هو توصيف واقعي تفرضه طبيعة اللحظة الداخلية، وحجم الاستقطابات، وطبيعة الحراك التنظيمي القائم. فالحديث الدائر في الأقاليم والأطر والقواعد لا يتمحور حول البرنامج السياسي القادم بقدر ما يدور حول الأسماء والتحالفات والتمثيل والنتائج.

هذه الحقيقة يجب ألا تُخفى أو تُجمل، لأن إنكارها أخطر من الاعتراف بها. لكن الخطورة الحقيقية ليست في أن يكون المؤتمر انتخابيًا، بل في أن ينتهي عند الانتخابات، وكأن الحركة أنجزت مهمتها بمجرد تشكيل لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين، بينما تُعاد صياغة الواقع الفلسطيني من حولها بصورة غير مسبوقة.

فالقضية الفلسطينية اليوم لا تواجه فقط حربًا على غزة، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة والتمثيل الفلسطيني. غزة لم تعد مجرد ساحة حرب مدمرة أو ملف إغاثي، بل أصبحت مركز الصراع على الشرعية والإدارة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

هناك حديث متزايد عن لجان إدارة انتقالية، وترتيبات دولية وإقليمية، وإعادة إعمار مشروطة، وأدوار تكنوقراطية، وقوى استقرار، وكأن القضية الفلسطينية تتحول تدريجيًا من قضية تحرر وطني إلى ملف "إدارة أزمة". والخطر هنا لا يكمن فقط في وجود هذه الترتيبات، بل في أن تتحول مع الوقت إلى واقع سياسي دائم ينتج غزة منفصلة سياسيًا وإداريًا عن المشروع الوطني الفلسطيني الجامع.

وفي الوقت نفسه، تواجه القدس أخطر مراحل الاستهداف عبر التهويد والاستيطان ومحاولات تغيير هويتها وعزلها عن محيطها الفلسطيني، بينما تتعرض الضفة الغربية لاستنزاف يومي بالاستيطان والاقتحامات والحواجز وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية. أما الأسرى، الذين شكلوا دائمًا ضمير الحركة الوطنية، فيواجهون ظروفًا قاسية غير مسبوقة، في وقت يتراجع فيه حضور قضيتهم سياسيًا وإعلاميًا. كما يعيش اللاجئون الفلسطينيون حالة قلق متزايد مع استمرار استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومحاولات تقليص دورها وشطب رمزيتها السياسية المرتبطة بحق العودة.

لهذا فإن المؤتمر الثامن لا يجوز أن يُختزل في لحظة انتخابية فقط، حتى لو كان انتخابيًا بطبيعته الواقعية. لذلك فإن المطلوب هو التفكير الجدي بما بعد المؤتمر، لأن اللحظة القاسية التي تعيشها القضية الفلسطينية لن تُحل بإعلان النتائج التنظيمية، بل بخطة سياسية ووطنية واضحة تعيد للحركة دورها ولمشروعنا الوطني تماسكه.

المطلوب بعد المؤتمر مباشرة ليس فقط توزيع المواقع، بل إطلاق مسار وطني جديد يقوم على عدة أولويات واضحة.

أولًا: إعادة الاعتبار لفكرة أن فتح حركة تحرر وطني قبل أن تكون جزءًا من السلطة، وهذا يتطلب إعادة بناء علاقتها بالشارع والمخيم والجامعة والنقابة، لا الاكتفاء بالبنية الإدارية والتنظيمية التقليدية.

ثانيًا: تشكيل لجنة مراجعة وطنية وتنظيمية حقيقية لدراسة تجربة الانقسام منذ عام 2007 وحتى اليوم، بعيدًا عن عقلية التبرير أو تصفية الحسابات، لأن أي حركة لا تمتلك شجاعة نقد تجربتها محكوم عليها بتكرار أخطائها.

ثالثًا: بلورة رؤية واضحة لغزة تقوم على رفض فصلها السياسي عن الضفة، مع دعم أي جهد للإغاثة والإعمار ضمن مرجعية وطنية فلسطينية موحدة، لا ضمن واقع انتقالي دائم يعيد إنتاج الانقسام بشكل جديد.

رابعًا: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها مرجعية وطنية جامعة، لا عنوانًا بروتوكوليًا، وفتح الباب أمام شراكة وطنية تعيد الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني.

خامسًا: إعادة الاعتبار للقدس بوصفها مركز الصراع الوطني والسياسي، لا مجرد ملف تضامن موسمي، وربط كل أشكال المقاومة الشعبية والسياسية بحماية المدينة وهويتها.

سادسًا: إطلاق برنامج مقاومة شعبية منظمة ضد الاستيطان والضم والتهويد، بوصفها استراتيجية وطنية مستمرة لا مجرد رد فعل ظرفي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينعقد المؤتمر وكأن شيئًا لم يتغير، وأن تنشغل القواعد بالأسماء والتحالفات بينما يُعاد تشكيل مستقبل القضية الفلسطينية من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.

صحيح أن المؤتمر الثامن يبدو، بحكم الواقع، مؤتمرًا انتخابيًا أكثر من أي شيء آخر، لكن الحكمة السياسية الحقيقية تكمن في تحويل الانتخابات من نهاية الطريق إلى بدايته، أي أن تكون مدخلًا لإعادة بناء الحركة وتجديد المشروع الوطني، لا مجرد محطة لإعادة توزيع النفوذ داخل الأطر التنظيمية.

فتح اليوم لا تحتاج فقط إلى قيادة جديدة، بل إلى معنى جديد لدورها الوطني. تحتاج إلى استعادة روحها الأولى: روح الحركة التي كانت تقود الناس لا تلاحق الأحداث، وتبادر لا تكتفي بردود الفعل، وتصنع المشروع الوطني بدل الاكتفاء بإدارته.

فالمؤتمر الحقيقي لا يُقاس فقط بمن فاز فيه، بل بما إذا كان قد أعاد للحركة قدرتها على حماية فلسطين: غزة، والقدس، والضفة، والمخيمات، والأسرى، واللاجئين.

فتح لا تُختبر اليوم بعدد أعضائها، بل بقدرتها على أن تعود حركة شعب.. لا حركة مواقع.