اكرم عطا الله - النجاح - يبدو أن عناية الرحمن تحفظ القضية الفلسطينية فصراخ المظلومين والمغدورين في الأرض من هذا الشعب الذي ينزف أرضاً ودماً وصل كل أركانها وسمع صداه في السماء، ما أن تقترب قضيتهم من التهميش والاندثار حتى يحرك القدر يديه ليعيدهم إلى صدارة الحدث، فهي قضية لا تموت وستبقى متقدة ليس فقط لأن هناك شعباً يحفر في الصخر من أجل حريته بل لأن العالم أيضاً يتغير وكل شيء ينكشف ولم يعد بالإمكان خداع البشرية، فمعجزة ثورة الاتصالات والسوشيال ميديا أكبر وأسرع من الدعاية الإسرائيلية التي تمكنت من خداع العالم لعقود ولكن الآن لم يعد له متسع بعد كل هذا التواصل.
بعد معركة بيروت تشتت الفلسطينيون في بقاع الأرض وتوزعوا على الدول العربية وارتاحت إسرائيل من صداع كان يشاكسها من لبنان، ولم تمضِ سنوات خمس وإذ بالانتفاضة الأولى تعيدهم للصدارة وفي الداخل وتضعهم على رأس أولويات العالم الذي بدأ يبحث عن حل لشعب لا قرار له سوى الحرية، وبعدها بسنوات عندما اكتشف الفلسطينيون أنهم وقعوا في الكمين الإسرائيلي بعد اتفاقيات أوسلو وتبين أن الإسرائيلي كان مخادعاً بامتياز وإذ بالانتفاضة الثانية تحبس أنفاس العالم وتعيد الفلسطيني مرة أخرى كقضية كونية تعتلي نشرات الأخبار وتضبط عقارب حركة سياسيي العالم وفقاً لساعتها الرملية.
الآن يعيش الفلسطينيون أسوأ مراحل قضيتهم، إذ يتضاءل الأمل إلى حد التلاشي ولم يعد لا الإسرائيلي ولا الأميركي يخفون مشروعهم بعدم الرغبة بحل القضية سياسياً ويكتبون الفصل الأخير لمحاولة بناء السلام والعالم مشغول بـ»كورونا» التي أفقدته التوازن، وإقليم عربي تحطم لعقد مضى، وانزوت الدول العربية تلملم جراح مدنها بعد الصراع الذي انفتح فجأة في شوارعها وكان ثمنه الدم والرجال والأبنية وكل شيء حين كان العرب يخرجون أسوأ ما لديهم من نزعات طائفية ونهم للسلطة، وبدا كأن العرب يشيحون بوجههم عن الفلسطينيين.
وفي وسط اللوحة الدامية تلك يأتي ضوء من بعيد يعيد الأمل مرة أخرى ومن أين؟ من أكثر العواصم تأييداً ورعاية لإسرائيل، لندن وواشنطن وهما العاصمتان اللتان أشرفتا على إقامة ودعم المشروع الإسرائيلي منذ كان فكرة وصولاً لدولة نووية الأولى سلمت للأخرى، فقد أنشأته بريطانيا وسلمته وليداً للولايات المتحدة لتتكفل بالرعاية إلى الآن بدءا من الحليب حتى الطائرة F35 مع تأمين على الحياة ضد الصدمات والمؤسسات الدولية.
وللمفارقة فإن من كتب وثائق الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وبانتصارها الأوحد في أوروبا أطاحت بعصبة الأمم التي اعتبرتها قاصرة من أن تمنع حرباً وأقامت المؤسسات الجديدة وصاغ مواثيقها محامون أميركيون، وهي نفس المواثيق التي تدوسها إسرائيل صباح مساء وبغطاء الأميركيين..!
الجديد في خيط النور الخافت الذي لم يتحول إلى شعاع بعد هو التحولات الهادئة التي تحدث في واشنطن ولندن وفي الأحزاب الكبرى فيهما.
ففي الحرب الحزب الديمقراطي الأميركي تتشكل كتلة تقدمية أصبحت تشهر موقفها من إسرائيل وذهب البعض إلى حد الرغبة بعقاب إسرائيل تلك الكتلة التي أصبحت تؤرق تل أبيب وهي الآخذة بالتزايد والتأثير إلى الحد الذي وصفها توماس فريدمان أثناء العدوان على غزة بأنها كادت تفجر الحزب الديمقراطي، وهو ما دعا الرئيس بايدن للتحرك لتحقيق تهدئة سريعة قبل أن تشتعل النار في بيت الحزب الديمقراطي، وأن أي متابع لما يحدث في الولايات المتحدة والتظاهرات التي تحركت في مدنها والميول الليبرالية والديمقراطية الجديدة للشباب الأميركي تعبير عن قطاعات أصبحت تخجل من سلوك إسرائيل وتتظاهر ضدها بكل جرأة وتعلن مواقفها بلا خوف ليس كما السابق.
في بريطانيا صاحبة شهادة المنشأ كان لافتاً تصويت أعضاء مؤتمر حزب العمال لصالح فلسطين وضد إسرائيل كدولة فصل عنصري والمطالبة بوضع قيود على التعامل معها كدولة استيطانية تحتل شعباً آخر وتتهرب من السلام، ويشير إلى تطور كبير لا يمكن التقليل من حجمه وإن لم تقره قيادة الحزب ولكن هذا التصويت الذي مارست إسرائيل وأصدقاؤها ضغوطاً هائلة حتى لا يحدث، نجح وسجل وهو مؤشر مهم وإن لم يتم تبنيه ولكنه سيفتح نقاشاً كبيراً في حزب العمال فهو يعبر عن كبرى النقابات وهي عصب الحزب العمالي وقد يصل الأمر حد الصدام مع قيادة الحزب في كل الظروف وهذا نجاح كبير.
بريطانيا التي ارتكبت الجريمة وحدها وبلا مقدمات ولا مبررات تاريخية، ومن هنا أهمية تصويت حزب العمال، وهو لن ينتهي برفض قيادة الحزب بل سيبدأ الصراع الآن بين تيارين.
أغلب الظن أن التيار العريض الممثل للنقابات لن يقدم تنازلاً بل سيسعى جاهداً لتعزيز وإنجاح رؤيته الإنسانية بقدر الإمكان، وما يساعد في ذلك هو الانكشاف التام لإسرائيل كدولة لا تريد تحقيق السلام ولا العدالة وهو الشعار الذي أخذ ينتشر كتعبير عن كل منظومة حقوق الإنسان وهو ما تقف إسرائيل وحدها على النقيض التام منه.
هذا ما يبشر بالمستقبل. صحيح أن إسرائيل ليست وحدها بل يقف معها سياسيو المصالح ولكن انتشار شعارات المساواة والعدالة أصبح ثقافة عالمية موحدة لن تستطيع إسرائيل أن تختفي في عالم مكشوف إلى هذا الحد، هي لا تريد سلاماً وتريد حبس الفلسطينيين في معازل؟
ليكن ...، هذا يعزز المظلومية الفلسطينية التي يتكاثر حولها المؤيدون وإن كان الفلسطينيون مشغولين بصراعهم على السلطة حد التفتت، لكن القدر يرسل لهم دعماً خارج التوقع فلنا أن نتصور لو كان الفلسطينيون موحدين يتحدثون مع العالم بلغة واحدة ويحترمون بعضهم ويحترمون حقوق الإنسان وينشئون نظاماً مدعاة لإعجاب الجيل الشاب التقدمي في العالم، ليس على نمط ما بنته السلطة ولا على النمط الهاذي لوعد الآخرة، لنا أن نتصور كم سيقصرون المسافة ولكنهم غارقون في منظومة هي جزء من أسوأ ما أنتج العالم العربي من تجربة بواقعها وخرافاتها...!