عقل أبو قرع - النجاح - عقدت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية وبالتعاون مع جهات محلية ودولية قبل أيام مؤتمرا بعنوان "الشباب قادة التغيير"، ومن خلال الحضور الواسع والاهتمام الإعلامي الواضح والمشاركة الشبابية المتزايدة، وبالأخص من الشابات أو من النساء اليافعات، واللاتي يشكلن حوالي النصف او الـ 50% من الفئات الشابة في بلادنا، يتضح مدى تعطش الشباب للتفاعل مع قضاياهم وبشكل مباشر، وكذلك مدى اهتمام أطياف المجتمع بتنوعها بقضايا الشباب وتطلعاتهم وبل الإيمان بأن التغيير وفي مختلف الأصعدة لن يحدث، وإن تم لن يتصف بالاستدامة دون مشاركة الشباب في التغيير والاهم في قيادة التغيير، والأكثر أهمية في الحفاظ على التغيير أي في استدامة التغيير.
وبرز اهتمام الشباب الفاعل خلال المؤتمر بمحورين أساسيين تم التركيز عليهما، وبشكل عملي، وكلاهما يتقاطع من خلال سبر تطلعات الشباب ومنهن الشابات اللواتي شكلن الأغلبية في المؤتمر، بالدفع في التغيير من أجل الأفضل والتعامل مع حاجاتهم، حيث ركز المحور الأول على الجانب السياسي وأهمية وبل حتمية المشاركة السياسية للشباب من أجل الحفاظ على الديمقراطية والانتخابات والحرية والتغيير المنظم الذي لا ينفصل عن التغيير في الجانب الاقتصادي المهم للشباب من حيث العمل والابتكار والتقدم والتنمية، والابتعاد عن شبح البطالة وتداعياتها القاسية.
بينما ركز المحور الثاني على الجانب الاجتماعي التربوي الثقافي القانوني، الذي يتعلق بالأسرة ومكوناتها وطرق التعامل داخلها، من حيث موازين القوى والعنف بأنواعه، وسبل حماية الأسرة وبالأخص المرأة من العنف وتداعياته، وكان التركيز على أهمية التقدم بقانون "لحماية الأسرة من العنف"، بحيث يتناسب مع الواقع الفلسطيني الحالي وتشكلاته المختلفة، وفي نفس الوقت يحافظ على الهوية الثقافية التربوية الاجتماعية الفلسطينية متماسكة وقوية، والذي لا يتعارض مع ضرورة التغيير في مسارات متعددة.
وفي ظل الحديث عن التغيير تنعقد هذه الأيام اجتماعات عالمية، يحضرها أكثر من خمسين وزيرا وعشرات من المسؤولين والممثلين الآخرين لمعظم دول العالم، للتحضير لقمة المناخ العالمية، التي من المتوقع انعقادها الشهر القادم في مدينة غلاسكو الإسكتلندية في بريطانيا، ورغم التوافق العالمي النظري على خطورة التغييرات البيئية والمناخية في العالم، وآثارها المباشرة المدمرة والتي لا تفرق بين دولة وأخرى.
إلا ان التطبيق العملي لقرارات قمم مناخ سابقة، وبالأخص قمة المناخ في باريس، يظهر أنها لم تجد طريقها الى التنفيذ، وما زالت غازات التلوث بأنواعها ومن مصادر الطاقة التقليدية المتعددة تلوث طبقات الجو وبكثافة، ومشكلة ما يعرف بظاهرة البيت الزجاجي وبالتالي الاحتباس الحراري العالمي وارتفاع حرارة الأرض وشح المياه والتصحر وتداعي الأمن الغذائي وتداعيات ذلك.
وبصرف النظر عن القرارات التي سوف يتم اتخاذها فيما يتعلق بمحاربة التلوث الذي تساهم به بشكل كبير وأساسي الدول الصناعية الكبرى، وبصرف النظر عن الآلية التي سوف يتم وضعها للتطبيق العملي لهذه القرارات والتي تهدف في الأساس الى تقليل كمية الغازات الملوثة التي يتم بثها الى الجو، والى التوجه أكثر نحو مصادر الطاقة النظيفة أو الخضراء، إلا أن الآثار والتداعيات البيئية والصحية التي أحدثتها وما زالت تحدثها هذه الدول بفعل الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية قد شملت معظم دول العالم، وبالأخص الدول الفقيرة التي لا تساهم بشكل ما في إحداث التغيرات المناخية ولكن تتحمل العواقب والآثار بشكل أكثر إيلاما أو دون إنصاف أو دون عدل، وهنا نشأ مصطلح ما بات يعرف "العدالة المناخية" أو بالأحرى عدم وجود أو غياب عدالة مناخية في العالم.
وعند الحديث عن الشباب والتغيير، فمن المعروف ان المجتمع الفلسطيني بكافة تجمعاته هو مجتمع فتي أو مجتمع شاب، وهذه الفئة الضخمة من المفترض أن يعطى لها كل الأهمية، سواء في مجالات التخطيط أو التنمية أو طبيعة التغيير أو الجوانب الصحية والاجتماعية أو في موضوع اختيار من يمثلهم، أي في الانتخابات وبصرف النظر عن نوعها، فمن المفترض أن تحتل هذه الفئة الشابة الضخمة الأهمية والحيز المطلوبين، سواء من حيث الترشح أو طبيعة البرامج الانتخابية، وبالأخص تلك البرامج التي تركز على مبدأ التغيير، سواء أكان تغييرا اجتماعيا أو تربويا أو اقتصاديا أو سياسيا.
وتبرز الأهمية الكبيرة للانتخابات القادمة للشباب، سواء محلية أو تشريعية أو رئاسية، هذا ان تمت، لأن هذه الانتخابات تأتي بعد فترة طويلة من آخر انتخابات عامة تمت لها تأثير عام على مختلف جوانب الحياة في بلادنا، وبما أن السن المحدد للاقتراع في بلادنا هو الـ 18 عاما، فإن فئة كبيرة قد تصل الى أكثر من الـ 20% من مجموع الناخبين سوف تنتخب لأول مرة، ودون شك أن هذه الفئة لها مفاهيم وتطلعات وخطط وتفكير وتوقعات وأفكار تختلف عن فئات عمرية أخرى مارست حق الانتخاب في الماضي، وعاشت ضمن بيئات وتطلعات مختلفة.
والتغيير الذي ينشده الشباب يرتبط بشكل أساسي بالعدالة، وبالأخص على مستوى الممارسة العملية للفئات الشابة، من ذكور وإناث، أي العدالة التي ينخرط تطبيقها في منظور النوع الاجتماعي، أي غياب العدالة الذي أفرزته أنظمة المجتمع والعادات والتدخلات التربوية والتقافية التي اعتدنا عليها، من حيث فرص الحصول على التعليم أو الوظائف أو مصادر الدخل والاحتفاظ بها أو الحقوق أو المساواة في الأجر وفي العمل اللائق وغير ذلك.
والتغيير كذلك يرتبط وسوف تزداد شدة هذا الارتباط بمفهوم تحقيق العدالة المناخية للشباب، وكذلك بالتركيز من ناحية النوع الاجتماعي، والذي سوف تكون آثاره ملموسة عندنا في فلسطين، وبشكل أكثر حدة على المرأة وعائلتها، وبالتحديد المرأة الريفية، والذي سوف يؤثر على مصادر وأنظمة بيئية اعتادت عليها، مثل المياه والطعام من حيث الكمية والنوعية والأرض والتربة والنفايات والتعامل مع الأمراض والأوبئة وكذلك وجود الاحتلال والذي سوف يفاقم جميع ذلك وبالأخص للمرأة الفلسطينية العاملة في الأرض وفي المنزل.
وفي ظل تزايد أهمية إشراك الشباب في التغيير ومن ضمن ذلك تغييرات تصب في إطار العدالة المناخية، فإن ذلك يعني الحد من الغازات التي تلوث الجو والبيئة، وهذا يعني الحد من النشاطات الاقتصادية، او الى التوجه نحو الاستثمار اكثر في نشاطات اقتصادية صديقة للبيئة، او نشاطات صناعية نظيفة وخضراء، وهذا يعني تداخل وتأثير رجال المال والاقتصاد على السياسيين، وهذا يعني مدى صعوبة نقاش موضوع التغيرات المناخية في قمم العالم، وحتى إن تم التوصل لاتفاق في قمة غلاسكو، فدعنا لا نتفاءل كثيرا بالتطبيق العملي لها كما حدث في الماضي في قمم عالمية مختلفة.