سامي أبو سالم - النجاح - لم يعد الهدف الاسرائيلي بالتخلص من غزة والالقاء بها في حضن مصر خافيا، ولم يعد بحاجة لجهابذة من الباحثين والمنقبين للتأكد من هذا الهدف الأبلج. وليس غريبا أن نسمع، بين الفينة والأخرى، تصريحات أو تلميحات بهذا الصدد من قادة وصناع رأي إسرائيليين. بيد أن الغريب هو أن تُطرح هذه الرؤية من جهات فلسطينية أو عربية بشكل يبدو وكأنه مقصود؛ مبادرات وتصريحات لا تصب إلا في صالح الرؤية الاسرائيلية حتى وإن طُرحت في ثوب إنساني.

مؤخرا خرجت علينا شخصية أكاديمية "مستقلة" برؤية (متجددة) تتلخص في أن الحل "لانقاذ قطاع غزة من الحصار الخانق من المحتل"، ووفق وصف مقدّم الحل، أنه "بعد دراسة مستفيضة لسنوات"، وتكليف من سلطة الطاقة، وضعت الشخصية رؤيتها باللجوء للأراضي المصرية في سيناء لتنفيذ مشاريع تنموية من كهرباء ومناطق صناعية وزراعية وغيرها لمساعدة غزة في الصمود والوقوف على قدميها.

نستبعد أن يكون المهندس البروفيسور والمرشح للرئاسة قد غفل عن أن المحتل هو المسؤول الأول عن السكان الرازحين تحت الاحتلال. وفقا لاتفاق جنيف الرابعة تبقى القوة المحتلة هي المسؤولة عن أمن وحياة ورفاهية السكان بما في ذلك توفيرالدواء الكهرباء والماء وحرية التنقل والحماية وقت الحرب. وتنطبق هذه الاتفاقية الدولية "في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي... حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة".

لذا، فالمشاريع المطروحة للمهندس، بعيدا عن التفاصيل والهدف المعلن، هي تبرئة للاحتلال من مسؤولياته الانسانية والأخلاقية والقانونية، وهي خطأ فادح يصل لحد التساوق مع الاحتلال في التنصل من مسؤولياته القانونية وأيضا أهدافه التي لم تعد خفية، المتمثلة بالفصل الكلي لغزة عن الضفة الغربية والقدس. وينطبق هنا وصف الكاتب أكرم عطا الله "إستدراج الفلسطينيين للسقوط في المشروع الاسرائيلي."

ناهيك أن هكذا مشروع، ربما يُعد تطاولا على الأراضي المصرية، والمفردات المنمقة، تغزلا بمصر، التي زُج بها لن تكون تجدي نفعا. لكن عموما القاهرة أكبر من أن تعقد اتفاقات من هذا القبيل، وتؤجر مساحات من سيناء لمشاريع من هذا النوع مع فصيل (حماس أو غيرها). وإن كان ولا بد، فربما توافق على هكذا تصور، وفق المصالح القومية المصرية، مع حكومة رسمية معترف بها دوليا وفق اتفاقات دولية رسمية ومحترفة (اتفاقية معبر رفح 2005 نموذجا) وليس مع فصيل بحد ذاته ولا مع كيان هلامي! 

قبل هذه الرؤية خرج مهندس آخر وطرح ما أسماه "حلا إبداعبا" يرى فيه أن الحل للخروج من المأزق الحقيقي في غزة هو "إلحاقها بالدولة التركية"، "وتدير تركيا بالها علينا... أفضل مليار مرة من الانتماء للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية". مشروع غريب أكبر هلامية من وضع غزة الحالي!

وهذا يذكرنا بمن يحملون نفس النهج الطارئ، الذين نظموا فعاليات وحملات اعلامية لفتح معبر رفح، بين مصر وغزة، أضعاف أضعاف الفعاليات والحملات الاعلامية التي طالبت بفتح معبر بيت حانون أو إعادة العمل بالممر الآمن بين الضفة الغربية وغزة، وكأن أزمة غزة في معبر رفح فقط، ومع مصر فقط، غافلين 5 معابر أخرى يسيطر عليها الاحتلال، على رأسها "بيت حانون" للأفراد!

وهذا بالضبط ينطبق مع رؤية إسرائيل التي قالت فور خطة "فك الارتباط" التي نفذتها إسرائيل 2005 من جانب واحد، آنذاك أعلنت إسرائيل أنها "انسحبت" من غزة وليست مسؤولة عنها فيما أعلنت الخارجية الفلسطينية أن غزة تحت الاحتلال وأعلنت حماس (وغيرها) أن غزة تحررت بضربات المقاومة!

إن التخلص من غزة هو مشروع صهيوني بامتياز، وبهذه الخطة / الخطط/ تتخلص دولة الاحتلال من عبء ديمغرافي (2 مليون نسمة) ناهيك عن أنه لن يكون مجانيا، فتنفيذ هكذا تصور لن يكون إلا بمقابل، وفي الغالب جانب أمني (حفظ الحدود بين غزة وإسرائيل)، وأيضا المساهمة في تفتيت الكينونة الفلسطينية السياسية، التي لا زالت تحبو بعد عقود من المقاومة والتفاوض بسبب العنت الاسرائيلي.

نقطة أخرى، إن رؤى من هذا القبيل تتعامل مع قطاع غزة وكأنه قضية إنسانية بحتة، مأكل ومشرب فقط، مع عدم التقليل من أهمية ذلك، فهي مقومات الوجود والصمود الأولى، لكن إذا كانت القضية إنسانية بحتة لهذا الحد فلتتكفل الأونروا، أو اي منظمة أو مشروع خيري، بادارة غزة عبر سلات غذائية وانتهى الموضوع.

إن غزة قضية سياسية دبلوماسية قانونية، وبالطبع إنسانية، بامتياز. وتحويل دفة الاهتمام من هذه الحقوق السياسية والقانونية إلى إنسانية فقط هو تقزيم مهين لكل من سقط شهيدا أو جريحا أو أسيرا بيد الاحتلال. ومحاولة الابتعاد به عبر البعد الانساني (المهم) لفصله عن الكينونة السياسية الفلسطينية ليس إلا عزفا في جوقة يقودها ماسترو في الكابينيت الاسرائيلي.

إن الكرة برمتها في الملعب الاسرئايلي، وهو المسؤول الأول والأخير عن غزة وسكانها، سواء وفقا للاتفاقات الدولية أو للاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتخفيف العبء عن غزة بيد الاحتلال أولا والانقسام (اسرائيلي الصناعة) ثانيا،  أما محاولة طرح مشاريع ورؤى وتصورات تبرئ الاحتلال في تفتيت الكينونة الفلسطينية هي مشاريع يرفضها كل عاقل، ومن يبكي على غزة يفترض أن يوجه سهامه سهامه نحو الاحتلال أولا ومنفذي الانقسام ثانيا، وليس نحو مصر أو غيرها.