رجب أبو سرية - النجاح - ليس المسجد الأقصى على أهميته وحده، وليست القدس على علو مكانتها وحدها، كذلك ليس حي سلوان، ولا بطن الهوى وحسب، بل تقريبا اندفع المستوطنون المستعمرون نحو معظم المناطق المحتلة في طول وعرض الضفة الغريبة، وكأنهم يفرضون ميدانيا وفعليا ضمها لدولة الاحتلال، ولكن في تطور لافت، ليس لأنه يأتي عشية عيد الأضحى وحسب، وقد كانوا قد أججوا الأجواء في القدس عشية عيد الفطر قبل أكثر من شهرين، بما فتح الباب واسعا لحدوث مواجهة متعددة الجبهات، بما في ذلك المواجهة العسكرية على جبهة قطاع غزة، بل لأن اندفاعه المستوطنين أوسع نطاقا وأعلى في الوتيرة بما لم يحدث من قبل، وكأن الحالة على الأرض مقبلة على لحظة حسم ما، يحاولون فرض حقائق لا يمكن العودة عنها، فإن لم تؤد الغرض في إفشال أي محاولة للحل السياسي، فإنها تزيد من حجم الغنيمة الإسرائيلية، وبالتحديد من حصة "إسرائيل الثانية" إن صح التعبير ونقصد بها "دولة المستوطنين".
منذ أسابيع والهجوم الاستيطاني يخوض حربا ضروسا لتغيير الواقع على الأرض، بسرعة قياسية، وكأن كل ما وقع من قبل وخلال أكثر من خمسين سنة لم يشبع نهم الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي للقدس وللضفة الغربية، والحقيقة أن رفع وتيرة العدوان الاستيطاني ظهرت منذ نحو عام، مدفوعة بإعلان دونالد ترامب، حول القدس وحول الاستيطان، ومجمل عناصر صفقة القرن سيئة الصيت والسمعة، ثم تأجج أكثر مع خروج بنيامين نتنياهو من مكتب رئيس الوزراء، وهذا يعود بتقديرنا لسببين قد يبدوان متناقضين في الوجهة، هما: أن خروج ترامب ودخول جو بايدن البيت الأبيض، قد يدفع بالملف الفلسطيني/ الإسرائيلي للتداول التفاوضي مجددا، لذا فهم يريدون أن يجعلوا احتمال الانسحاب الإسرائيلي من أرض دولة فلسطين أمرا مستحيلا، هذا من جهة ومن جهة ثانية، ربما أن بعضهم يرى في حكومة التغيير، اقل تأييدا لهم من حكومة اليمين السابقة، أو أنها تواجه على الأقل صراعا داخليا غير معلن بين وزراء الوسط واليسار، ورئيس الحكومة الذي هو بالمناسبة أقرب لهم من نتنياهو نفسه، فلا أحد ينسى أن نفتالي بينيت دخل الكنيست الإسرائيلي منذ أول مرة، بأصوات المستوطنين أصلا عبر "البيت اليهودي".
وفعلا ها هو بينيت ينطق بتصريح لم يسبق لنتنياهو أن نطق به، والذي دفع الرئاسة الفلسطينية إلى إدانة تصريحه واعتباره يدفع نحو صراع ديني خطير، والتصريح المقصود هو ما قاله بينيت من أنه يجب الحفاظ على حرية العبادة لليهود والمسلمين في المسجد الأقصى!
هكذا ينضم رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى عتاة التطرف اليهودي/ الإسرائيلي المتمثل بالمستعمرين/ المستوطنين الذي أقاموا على أراضي دولة فلسطين المحتلة، في محاولة فرض السيطرة على مسجد المسلمين، حتى أنه لم يقل حرية العبادة في القدس، أو بعض أجزاء المدينة، بل مسجد المسلمين بالتحديد، فما لو رد عليه مسؤول فلسطيني مطالبا بفتح الكنس اليهودية في تل أبيب للمصلين المسلمين والمسيحيين!
الحقيقة أن الأمر لم يعد عابرا وليس محدودا، فإسرائيل كدولة تقوم بجيشها من جهة بقمع المصلين الفلسطينيين وإخراجهم من بوابات القدس، حتى تسهل للمستوطنين/ المستعمرين وهم بالمناسبة ليسوا حجيجا يهوديا، كذلك هم ليسوا سائحين يجيئون لزيارة المسجد الأقصى والمعالم الإسلامية أو المسيحية في المدينة المقدسة، بل هم محتلون خارجون على القانون الدولي، يأتون لمساجد المسلمين لاحتلالها وليس لزيارتها ولا للصلاة فيها حتى، بل لاحتلالها كما احتلوا تلال وجبال الأرض الفلسطينية، وهم مسلحون بالبنادق التي لا تسمح إسرائيل حتى لقوات الشرطة الفلسطينية بحملها، هذا إضافة إلى المرافقة الدائمة لجيش وشرطة الاحتلال.
الأمر لم يعد هذه المرة عابرا، أي كجس نبض، فهو متواصل، وهذا يعني بأن إسرائيل لا تقيم وزنا لاحتمال مؤكد في نهاية المطاف بأن تندلع المواجهة الدامية في كل مناطق ونقاط التماس وهي في القدس والضفة الغربية بالمئات، وكونه متواصلا، يعني بأنه يسعى لخلق حقائق نهائية، تجعل من الحل مستحيلا، كما أسلفنا، أو تجعل التفاوض، غير ممكن أن يبدأ أصلا، وإن بدأ أن يفشل ولا ينجح بالتوصل للحل الوحيد الممكن، وهو الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران من العام 1967.
كذلك هو متعدد، وهو لا يقتصر على الأقصى ولا على القدس، كما قلنا، بل انتشر وامتد واتسع، ليشمل بيتا وجبل صبيح، تل الرميدة في الخليل، حي الطيرة برام الله، وسط الخليل، أي كل ما يظنه المستوطنون يشكل "أرض يهودا والسامرة"، أي كل أرض محافظتي الخليل ونابلس، وهم بذلك لا يصعدون إلى مقدمة المسرح السياسي الإسرائيلي، حيث يجدون الجيش والشرطة في خدمتهم، يقومون بتسهيل مهمتهم، بل هم كذلك يجدون رئيس الحكومة، الذي يعرفونه جيدا، ويعرفهم جيدا، ينطق باسمهم، ويدافع عن همجيتهم وعدوانهم وسطوهم ليس على أرض ومنازل وأشجار الفلسطينيين وحسب، بل وعلى مساجدهم، وفي مقدمتها ثالث مسجد من حيث المكانة لدى أكثر من مليار ونصف المليار مسلم في العالم!
أي جنون أكثر من هذا، خاصة حين يظهر بهذا الشكل، من قبل الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها الرسمية، إن كان الجيش أو الشرطة أو الحكومة؟! هذا الجنون لا يتوقف عند حدود الصلف السياسي الذي يضرب عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية وحسب، بل ولا يقيم أدنى احترام أو اعتبار لمشاعر الآخرين الدينية.
يقولون في الأمثال العربية، إن مجنونا ألقى حجرا في بئر، احتاج الناس لألف عاقل لإخراجه، وهكذا سيكون الحال مع الانطلاقة أو الاندفاعة المجنونة للمستوطنين/ المستعمرين، ولأن الحكومة الإسرائيلية ما زالت تسير في ذيلهم، فإن الجنون الإسرائيلي هكذا سيحتاج إلى كل عقلاء الدنيا والمجتمع الدولي ليعالجوا نتيجته الكارثية فيما بعد، هذا إن لم يتدخل عقلاء العالم، اليوم، وفورا لوضع مجانين طلقاء في الشرق الأوسط في محجر سياسي صحي، قبل أن يحدث جنونهم ما لا تحمد عقباه، وما لا أحد يمكنه أن يخمن آثاره، اليوم، فإن كان المستوطنون يخوضون حرب كسر العظم مع الفلسطينيين بالنيابة عن دولة إسرائيل، فإن المواجهة الطاحنة باتت على الأبواب دون ريب أو شك.