نابلس - حسن البطل - النجاح - سؤال الأحجية المبتذلة: «ثلث الثلاثة كم»؟ لكن محنة حكومة لبنان هي مكانة «الثلث المعطل»، اي حصة رئيس الجمهورية في حكومة تنشل لبنان من الانهيار الشامل.
لصاحب «أطراف النهار» حصة ثلاثة أيام في الأسبوع .. فأين هو «الثلث غير المعطل»، أي عمود يوم الأحد المستعاد من أعمدة عمرها زهاء ربع قرن، فهي حصة رئيس التحرير، يذكرني رئيس التحرير بإحدى قصص كتاب ابن أبي أصيبعة: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، وأختار منها كيف خلط وركب «طبيب نطاسي» يهودي اكسير الشفاء للحام في العراق كانت عادته التهام ما تيسر من حشايا الذبيحة، وعندما سقط طريح الفراش عالجه وشفاه صاحب الاكسير العجيب!
بعد ٢٢ عاماً من سبعة أعمدة في سبعة أيام، هرم قلم صاحب «أطراف النهار» وهو الموظف الوحيد في مؤسسة الأيام من بين كتاب الأعمدة فيها، بعضهم احتجب وبعضهم رحل عن الحياة الدنيا.
تذكرت ميخائيل نعيمة وزهير بن أبي سلمى، الأول عنون سيرة حياته بكتاب «سبعون»، والشاعر الحكيم زهير كتب قصيدته: «.. ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم»!
لا أعرف هل عاش نعيمة فأدرك الثمانين حولاً، أو أن زهيراً عاش فأدرك عامه التسعين. أما أنا فلي من العمر وسط حسابي بين ذلك الأديب وذلك الشاعر، فهل يأتيني الملل والزهق قبل الثمانين أو بعدها، أو يملّ مني قارئي .. أو ينقصف عمري!
الأعمار بيد الله، ولقلمي ثلاثة أعمار. عمر القلم ٥٢ عاماً، والعمر الصحافي ٤٨ عاماً، وأما عمر عمود «أطراف النهار» في «الأيام» فهو ربع قرن كانت مقسومة إلى عمود سبعة x سبعة أيام، ثم صارت مقسومة ثلاثة أيام أسبوعيا. العمر حكم، والعمر القلمي تجربة!
يوم السبت أترقب كيف سيفاجئني رئيس التحرير في عمود «من قديم حسن البطل»، أي من أرشيف أو «فايل» على جهاز رئيس التحرير، كأنه «أكسير» ابن أبي أصيبعة في إنعاش العمود «الأخير».
لماذا «الأخير؟ لأن «أطراف النهار» سبقه عمود «فلسطين في الصراع» ثم «قضايا الصراع» وكانا عمودين أسبوعيين في «فلسطين الثورة»، والعمود الثالث كان معنوناً «في العدو» وكان يومياً وفي الجريدة ذاتها إبان حرب اجتياح إسرائيل للبنان، بعد أن «استشهد» العدد الأسبوعي ٤٢٤ تحت ركام مطبعة الكرمل، مطلع تلك الحرب.. واحتجبت «فلسطين الثورة» بعد العمود ٩٩٥. حقاً، هي أربعة أعمدة، لكن خلالها تمرس قلمي على شتى صنوف الصنعة الصحافية، من كتابة الخبر، إلى كتابة التقرير، ثم المقالة. وأخيراً وطيلة ١٣ عاماً قبرصياً، رئيس تحرير فعلي (فيلد) لمجلة المنظمة، ولو برتبة مدير تحرير مفوض!
في هذه الأعمد الأربعة اجتاز قلمي ثلاث مراحل صحافية، كان في أولها عموداً يومياً في إذاعة الثورة من بغداد، وهي مرحلة «البروباغندا»، أي الالتزام الدعاوي بالقضية الوطنية، وتلتها مرحلة القلم الصحافي في المجلة المركزية - الأسبوعية، لكن مع انتكاسة إلى «البروباغندا» في أعوام الاجتياح الإسرائيلي، والجريدة اليومية.
مع «الأيام» نضج القلم ونضجت التجربة، بحكم الممارسة المديدة، أو بحكم حكمة التقدم في العمر، إلى قلم مهني هوامشه واسعة، ومن هذه الهوامش صار رئيس التحرير يعيد نشر قديم يخلط الفلسفة بالخلية، والخلية بالمجرة، والسياسة بالثقافة، والذكريات القديمة بالواقع المعيش.
في البدايات من عمر مرحلة الكتابة الدعاوية، وبعض الكتابة في العمر القلمي الصحافي، لم أكن أوقع اسمي، لكن صرت أوقع الأعمدة الأربعة باسمي الصريح: حسن البطل، ودائماً أسفل العمود، ربما لأنني خريج مدرسة الصحافة اللبنانية، وبقيت الوحيد من كتاب الأعمدة في «الأيام» الذي يوقع في ذيل العمود، كما أوقع بالحرف الصغير نسبياً.
للموظف العمومي في بلادنا سن تقاعد بعد عمر الستين، وفي بلاد أخرى حتى عمر الـ ٦٥ أو حتى الـ ٧٠ تبعاً لـ «مأمول الحياة» في كل بلد.
صحيح أن نعيمة كتب عن عمر السبعين عاماً، وزهير سئم الحياة في عمر الثمانين، لكن في عمر السبعين خرجت من التأمين الصحي لمؤسسة «الأيام» وإن مع امتياز جانبي أحيانا، لكن إدارة البنك الذي أتعامل معه سحبت مني امتياز استعمال الفيزا الخارجية الذهبية.
جريدة «الأيام» واصلت دفع راتبي الكامل كما كان عندما كان عمودي سبعة x  سبعة أيام، ولما صار ثلاثة أيام، ثلثها من استعادات رئيس التحرير.
في الخامسة والسبعين من عمري، وبعد ربع قرن من العمر الصحافي لـ «أطراف النهار» لدي خمسة أعوام قبل أن أبلغ الثمانين فهل اسأم قبل زهير بن أبي سلمى، الذي عاش عندما كانت «تكاليف الحياة» بسيطة، وأما تكاليف الحياة الفلسطينية من حيث العمر الزماني والعمر القلمي فهي أبعد ما تكون عن البساطة. المسألة اليهودية العالمية أناخت على المسألة الفلسطينية؟
الاسم الصريح حسن مصباح حسين البطل، والاسم الصحافي حسن البطل، وللبعض أن ينتحل اسم عمود «أطراف النهار»، ولصاحبه أن ينتحل عنواناً مستعاراً: «حسن .. العمودي» كما في عنوان هذا العمود، الموقع في ذيله بالاسم الصريح.