نابلس - النجاح - 1 - عصب  
مقص رجل يقلّم أفنان شجرة الزيتون، أو يقطع بالمنشار بعض أغصانها. قلت: لأتعلم شيئاً لا أعلمه، كما علمني العم إيليا مهنا الطريقة الصحيحة لتقليم («تشهيل» باللهجة اللبنانية) أغصان دالية الحديقة. علمت ما أعلم من قبل، فالتقليم يجري «معاومة» (عاماً بعد عام) .. إذا احتاجت الشجرة المباركة إلى ذلك. بعد دقائق من المراقبة، سألته أن أساعده. هو يشير عليّ، وأنا أقوم بالعمل. تماماً، كما تعلمت «تشهيل» دالية الدار البيروتية تحت إشراف «العم إيليا». ثلاث أو أربع «عُقَد» ثم اقطع على بعد سنتيمترات من «عقدة». شتاء العام 82 أنجزت «التشهيل» دون مشورته، فأوسعني ملاحظات قارسة .. وصيف ذلك العام أثنى عليّ. غادرت بيروت وجاري راضٍ عني. أكل من عنب زرعته. عندما بلغني انه مات ترحمت عليه! مع «التشهيل» تهذب حواسك وترهفها، بما يشحذ ذهنك بفارق مقاومة أغصان شجرة العنب عن شجرة الزيتون ...الخ. هكذا، يغدو تحضير «طبق فتّوش» (طبقاً للوصفة اللبنانية «المزبوطة») متعة حسية أيضا. ولهذا، اكتشفت علاقة بين التزمت الفكري لدى بعض «الأيديولوجيين»، وبين كراهيتهم لتحضير «طبق فتّوش».

2 - الزيت وخوابيه
اشترت أسرة صاحبي معصرة زيتون آلية بالكامل، وأحالت معصرتها القديمة، نصف الآلية للتقاعد. ذهبت لأرى «الجفت» يخرج كأنه الرمل في جفافه من المعصرة الحديثة، بعدما كانت القديمة تلفظه أشبه بالعجين. كأي فلاح محافظ بطبعه، ترحم صاحبي على ميزات زيت المعصرة القديمة، التي كانت تعصر دون شطف الزيتون بالماء، بينما تشطفه المعصرة الحديثة بماء نصف ساخن. هكذا، تعلمت شيئا آخر. ومن ذلك، ان تقديرات خبراء دائرة الإحصاءات المركزية ليست دقيقة، لا بسبب المنهج العلمي الصحيح رياضيا، لكنما بسبب مراوغة أصحاب المعاصر في إعطاء المعلومات الصحيحة. لماذا؟ سألت الصاحب. أجاب: اتقاء للحسد .. وخوفا من الضرائب، التي فكروا بفرضها ثم احجموا. لماذا احجموا؟ هل أنّ على السلطة «الفقيرة» تقديم دعم للزيت والزيتون كما يريد صاحبي لأنه «سلعة استراتيجية»؟!
كيف، إذاً، تستطيع الخزينة العامة دعم مزارعي الخضراوات والفواكه، الذين يكدون أضعافا مضاعفة. الزيتون والتين المباركان، أقل الأشجار حاجة للعناية. مع ذلك، نلاحظ الإهمال المتمادي في «التقليم» و»الحراثة». ما اعرفه عرفته، وما لا أوافق عليه هو: لماذا يغالط صاحب المعصرة؟ السماء تعطي ماء، والأرض تعطي الزيتون غذاءه، والفلاح يعطي الشجرة اقل القليل من جهده .. وجميعنا نغني لـ»الشجرة المباركة»، ولا نتورع عن الكذب على موظف الإحصاء!!

3 - متقاعس ويتوكل
20 مرة، في الأقل، وقفت قبالة مستوطنات «دولب 1 - 2 - 3 - 4» لأفحص المنهجية الآلية لتمدد الاستيطان. الأسبوع الفائت، كنت مع صديق صديقي، نتفقد زيتوناته على تلة مواجهة لإحدى المستوطنات. سهل عليك ملاحظة إهمال ترميم ما يتهاوى من أحجار «السناسل»، لأن شقيق الصديق لا يجد وقتا، بعد عودته متعبا من العمل في إسرائيل. تعلمت شيئا آخر: أسماء نباتات برية، وشجيرات. احسن ما تعلمت جاء من جواب صديق الصديق: لم نطوّب الأرض بعد؟ حتى بعد خفض رسوم تسجيل الأراضي من 6% إلى 1% فقط، وتمديد المهلة عاما آخر. لماذا؟ سألت! قال: المستوطنة بعيدة. يا له من جواب.. جعلني اعزف عن سماع آرائه في «أداء» السلطة و»تجاوزاتها». يبدو لي أن بناء المواطن أصعب من بناء الوطن. هذا كنت اعرفه من الكتب.. ولا بأس أن تعرفه من الواقع.

حـسـن الـبـطـل