د.دلال عريقات - النجاح - تم نشر كتاب جديد بعنوان "رؤية صائب عريقات" صدر عن "منتدى التفكير العربي في لندن"، بداية شهر اكتوبر 2020. وتقوم رؤية عريقات على "ضرورة تغيير وظيفة السلطة الفلسطينية". وضرورة نقل الشعب الفلسطيني من الاحتلال للاستقلال، ومن السلطة للدولة دون انتظار التوصل الى حل سياسي مع الاسرائيليين ولا انتظار الوسيط الأمريكي الذي ظهر بأنه منحاز الى الاسرائيليين بشكل كامل.

الدكتور صائب عريقات قدم رؤية متكاملة تضمنت خطة عمل فلسطينية بحتة دون الاعتماد على أي طرف عربي أو دولي، تقوم رؤيته على سبعة مرتكزات للحفاظ على المشروع الوطني والانتقال من السلطة الى الدولة، هي:

١- انجاز المصالحة الفلسطينية.

٢- اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

٣- تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم.

٤- انتخاب مجلس وطني فلسطيني يمثل جميع أبناء الشعب الفلسطيني دون تمييز.

٥- أن تكون المرجعية في أي خلاف هي صناديق الاقتراع، وترسيخ مبدأ تحريم الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني.

٦- تعزيز المؤسسات الوطنية الفلسطينية واستكمال بنائها.

٧- الاستناد للشرعية الدولية والقوانين الدولية ومنها القرار 19/67 الصادر عام 2012 الذي نص على الشخصية القانونية لدولة فلسطين.

رؤية عريقات قدمت توضيحاً لاستراتيجية نتنياهو القائمة على أربعة محاور:

١- إيجاد سلطة فلسطينية دون أي سلطة، وذلك بتغيير وظيفة السلطة من سلطة وجدت بالأساس لنقل الشعب الفلسطيني من الاحتلال الى الاستقلال، تحولت وظيفتها إلى سلطة تُقدم خدمات في مجال الرواتب والأمن وغير ذلك من الوظائف المدنية.

٢- إيجاد احتلال دون تكلفة، موضحاً أن التكلفة تشمل المقاومة المسلحة او النقد الشفوي او الذهاب للجمعية العامة او مجلس الأمن او المحكمة الجنائية الدولية او مجلس حقوق الانسان.

٣- إبقاء قطاع غزة خارج إطار الفضاء الفلسطيني من خلال استمرار الانقسام الداخلي مع استمرار حصار غزة.

٤- دفن مشروع الدولة الفلسطينية وإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني بشكل كامل.

أكد دكتور عريقات في عرض رؤيته أن القيادة الفلسطينية أمام خيار واحد وهو رفض استراتيجية نتنياهو بالصمود على الأرض وإجبار إسرائيل على دفع ثمن احتلالها. أما الإجراءات الفلسطينية لتحميل إسرائيل تكلفة احتلالها حسب رؤية عريقات فهي تشمل:

١- إلغاء جميع الاتفاقيات والتفاهمات بما فيها الأمنية.

٢- وقف التنسيق الأمني والمدني.

٣- إيقاف اي اتصال مع ادارة ترامب.

وأكد عريقات قبل راحته الأبدية على أن السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير قد أوقفتا بالفعل عمليات التنسيق والاتفاقيات استناداً لقرار القيادة بهدف ارسال رسالة واضحة لاسرائيل لتحمل كامل مسؤولياتها على الأرض كقوة قائمة بالاحتلال.

يقدم عريقات رؤيته كاستراتيجية وطنية شاملة تغطي جوانب هامة، منها قرار القيادة في اعتبارها في حل من الاتفاقيات السابقة ووقف التنسيق المدني والأمني والمصالحة، وصولاً لرؤيته حول حل الدولتين او حل الدولة او حل السلطة. وتطرق الكتاب لرؤية عريقات حول خيار المقاومة وحول التطبيع والبعد العربي والدولي مؤكداً أن تقارب العرب التطبيعي بدون ثمن مع اسرائيل هو خطأ استراتيجي. وبحسب عريقات، فإن لغة التهديدات والمصالح الأمريكية والاقليمية لن تجد في الشعب الفلسطيني من يقبل بهذا الطرح. وقدم رؤيته حول خيار الدولة الواحدة بأنها فكرة حضارية، ومع ايمانه ودعمه لحل الدولتين الا انه لا يمانع حل الدولة اذا كان هو خيار الشعب. أما بالحديث عن خيار حل السلطة، فأشار عريقات أن خطط الضم الاسرائيلية ستدمر السلطة الوطنية الفلسطينية تلقائياً، كما أوضح أن اسرائيل جعلت السلطة الوطنية بدون سلطة بتقليص مهمتها حول تسيير الحياة اليومية للفلسطينيين مثل صيانة الطرق ودفع الرواتب وغيرها من الوظائف التي من المفروض ان تتحملها اسرائيل بوصفها سلطة الاحتلال وفقاً لميثاق جنيڤ الرابع.

جاءت هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة كمحاولة أخيرة من رجل السلام الدبلوماسي المخضرم صائب عريقات، للتذكير بخطأ المسار القائم وبأن المشروع الصهيوني هو تهديد للأمن القومي العربي والإسلامي وليس للفلسطينيين وحدهم!

أما قرار القيادة الفلسطينية في نوڤمبر لاستئناف التنسيق مع إسرائيل والرجوع عن قرارها أنها في حل من الاتفاقيات الموقعة، فقد أثار احتجاجاً شعبياً واسعاً حول استئناف التنسيق الأمني والمدني مع إسرائيل. قد تكون القيادة الفلسطينية قد استندت في قراراتها الأخيرة على التغيير في البيت الأبيض وخسارة دونالد ترامب في الانتخابات.

وهنا نتساءل ما هي رؤية جو بايدن الاستراتيجية الشاملة تجاه المنطقة؟ لقد تابعنا تصريحات إدارة البيت الأبيض الجديدة برئاسة جو بايدن ووزير خارجيته انتوني بلينكن، الذي استعرض رؤيته حول علاقة الولايات المتحدة تجاه الاسرائيليين والفلسطينيين بأن عرض بلينكن مواقف بايدن كشريك في الاتصالات مع كل رؤساء الحكومات الإسرائيلية من فترة غولدا مائير، وعبر على الدوام التزاما عميقا لأمن إسرائيل. وشدد بلينكن على أن بايدن يؤيد حل الدولتين ويؤمن بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهودية، ديموقراطية وآمنة، إلى جانب تحقيق التطلعات المشروعة للفلسطينيين. وأضاف أن جو بايدن سيحافظ ويعمق التعاون العسكري والاستخباراتي مع اسرائيل لضمان التفوق العسكري الإسرائيلي. وسيطالب إسرائيل والفلسطينيين بعدم اتخاذ خطوات أحادية تمنع العودة لحل الدولتين، وسيجدد الدعم للسلطة الفلسطينية، وسيفتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، وسيقوم بتقديم مساعدات إنسانية واقتصادية للفلسطينيين بموجب قانون تايلور فورس. وأكد بلينكن ان بايدن يعارض موضوع الضم، لكنه من جهة أخرى شدد على أن "بايدن سيصر على أن يتوقف الفلسطينيون عن التحريض على العنف والخطوات الأحادية" وذكر أن الرئيس الجديد سيسعى إلى بناء الثقة بين الجانبين، وهذا أمر سيستغرق وقتاً. وقال إن الولايات المتحدة ستسعى إلى استعادة مكانتها في مؤسسات الأمم المتحدة والتي "ضعفت كثيرا بفترة الرئيس ترامب" ومع أن واشنطن لن تكون قادرة على منع أي هجوم من قبل هذه المؤسسات ضد إسرائيل لكنها سترد عليها بقوة وستستمر بمساندة اسرائيل والدفاع عنها.

بالمقابل، لو نظرنا الى الرأي العام الفلسطيني من خلال آخر استطلاع جرى على عينة من 1300 فلسطيني، فإن نسبة 57.4 %؜ من الشعب الفلسطيني يعتقدون بأن انتخاب جو بايدن رئيسا أمريكيا جديدا يمكن أن يفتح الباب أمام عودة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية في إطار رؤية حل الدولتين، بينما اعتقد 36.5 % ان انتخاب بايدن لن يؤثر على الواقع السياسي! حيث اشارت نتائج الاستطلاع الأخير أن نسبة 57.9 % من الشعب الفلسطيني يعتقدون ان اسرائيل لن تتخلى عن خطة الضم الواردة في خطة الرئيس الأمريكي ترامب عقب انتخاب الرئيس الجديد "بايدن" حيث أن خطط الضم تندرج تحت المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي قضى على أمل وجود دولة فلسطينية جغرافياً وسياسياً.

وعند السؤال: هل ستغير إدارة الرئيس الأمريكي الجديد "بايدن" سياستها تجاه الفلسطينيين مقارنة لما كان عليه الحال أيام الرئيس ترامب؟

39.5 % أجابوا : لا .

39.5 % أجابوا بنعم، ولكن دون تغيير في القرارات الرسمية التي تم تنفيذها خلال ولاية ترامب... وهذا يشمل اعتراف امريكا بالقدس كعاصمة لاسرائيل وإسقاط مصطلح الأراضي المحتلة عن المناطق المحتلة عام ١٩٦٧ بما فيها الجولان. ومن الجدير بالذكر أن 77 % من المستطلعين يعتقدون أن جهود المصالحة غير جدية وغير كافية. أما فيما يتعلق باتفاقيات التطبيع العربية التي تستند في نصوصها على صفقة القرن فقد عبر 35 % من المستطلعين بأن اتفاقيات التطبيع تلحق ضررا بفرص الحل السياسي، وأضافوا بنسبة 76 % ان مبادرة السلام العربية كشرط للتطبيع العربي الاسرائيلي باتت من الماضي. فيما اشارت نتائج الاستطلاع أن 49 % يؤيدون حل الدولتين.

بغض النظر عن تفاصيل رؤية جو بايدن التي لم تقدم بعد بشكل رسمي وصريح، لقد كان صائب عريقات متيقناً من خسارة دونالد ترامب ومتفائلاً بفوز بايدن وبالديمقراطيين، لأنه باعتقاده لن يشهد التاريخ أسوأ من ادارة ترامب، وبنفس الوقت وبعد خبرة عقود مع الادارات الأمريكية المتعاقبة المنحازة لاسرائيل، على القيادة الفلسطينية إدراك حقيقة أن أولويات بايدن السياسية لن تتطرق لمنطقتنا في سنواتها الأولى في البيت الابيض ولذلك تبقى "رؤية صائب عريقات" الذي جعل من الشعب مرجعية هي خطة العمل الوطنية التي من الممكن البناء عليها فلسطينياً من أجل توحيد الجهود وتعزيز المصالحة والمضي نحو الانتقال من الاحتلال للاستقلال، فهي رؤية وطنية فلسطينية ترتكز على بُعدها الفلسطيني وأساس التغيير من الداخل وان الوحدة هي قانون الانتصار بصرف النظر عن أي دور لوسيط أمريكي او أي حل مع الاسرائيلين او اي تغيير عربي، إقليمي او دولي.

- د. دلال عريقات: استاذة الدبلوماسية وحل الصراع، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الامريكية.