أكرم عطا الله - النجاح - ما يحدث في إسرائيل جدير بالمتابعة إذ تنزاح الدولة نحو اليمين. منذ عقود يأخذ المنحنى شكلا يمينيا صاعدا وفي دولة يتم اشتقاق القومية من الدين أو تكون القومية هي قومية دينية فإن هذا يحدث تغيرا هائلا ليس على صعيد الصراع مع الفلسطينيين فحسب بل على صعيد الداخل الإسرائيلي ومستقبل المجتمع ومستقبل الدولة.
من ناحية الصراع المحتدم مع الفلسطينيين فإن انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو أغلبية يهودية سواء قومية أو دينية سيان. ففي النهاية كل شيء يستمد من الثقافة اليهودية والدين اليهودي لكن الصعود الديني يعني نهاية حلم السلام الذي أقلع يوما ما لأن الأمر ببساطة يعني بالنسبة للمتدينين اليهود الذين باتوا يتصدرون المشهد في النظام السياسي أن الضفة الغربية هي "أرض التوراة المقدسة" وبالتالي لا يمكن الموافقة أو السماح للفلسطينيين ببناء دولتهم أو حتى كيانهم عليها وهنا يصبح حتى التدخل الدولي ضعيفا أمام هذا المستوى من الفكر.
ومن هنا، فإن ما كان خافيا بدأ يطفو على السطح في السنوات وتكثف في الأشهر الأخيرة من دعوات لضم الضفة الغربية وشرعنة هذا الضم حتى دون أن يجد ذلك معارضة دولية، بل إن السفير الأميركي في تل أبيب "يتفهم ضم إسرائيل لمناطق بالضفة"، ولا حتى معارضة من قوى سياسية في إسرائيل سوى بعض جنرالات سابقين حذروا من الضرر الأمني لهذا التوجه لكن في رد نتنياهو عليهم ما يعكس ويكشف ما أصبح مكشوفا عندما قال، إن "الضفة هي ميراث الأجداد" وهنا فإن نتنياهو هو قومي وليس متدينا لكن لا فرق بين الاثنين لأن الدين هو المنتج السياسي والثقافي للقومية.
لكن الجديد هنا وما ينبغي مراقبته هو مدى تأثير ذلك على المجتمع في إسرائيل والذي أصبح فيه الانقسام واضحا وهو ما أفشل تشكيل حكومة انتخابات نيسان الماضي ببساطة، لأن المجتمع القومي الديني كان يريد حكومة خاصة به ولم يعد يريد حكومة وحدة أو حكومة للمجتمع اليهودي عامة في حالة معلنة من الإقصاء، وهذا سيتعزز خلال السنوات الماضية.
ذلك ما عبر عنه استطلاع معهد "غيئو كارتوغرافيا" لمنظمة "جيشر" والذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" يوم الجمعة بأن 55% من المستطلعين يخشون الحرب الأهلية في حين أن نسبة 42% يخشون الحرب مع إيران وهو ما عنوته الصحافة تحت عنوان "أغلبية الإسرائيليين يخشون من الحرب الأهلية" لأن تعبيرات ذلك بدأت تصبح أكثر وضوحا كلما تقدم الزمن الذي يحمل في طياته مزيدا من سيطرة اليمين الديني الإقصائي ومزيدا من تهميش واستهداف التكتلات الاجتماعية في إسرائيل.
كان الأكثر وضوحا هو الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش وزير المواصلات عن حزب "البيت اليهودي" القومي بدعوته لإقامة دولة الشريعة عندما قال، "ان الإسرائيليين يريدون العيش في بلاد تحكمها التوراة والشريعة اليهودية" وهو ما أثار ردود فعل غاضبة لدى غير المتدينين مثل ليبرمان الذي لم يقدم تنازلات للقوى الدينية وتحمل مسؤولية إفشال تشكيل الحكومة رافضا ما قاله الوزير، لكن مجرد ما عبر عنه سموتريش هو الاتجاه المتنامي في تلك الدولة لأسباب كثيرة أهمها البعد الديمغرافي ونمط عيش العائلات الدينية كثيرة الإنجاب والتي تحميها قوانين تضمن زيادة كتلتها مثل قوانين المعاهد الدينية وطلاب التوراة وقانون التجنيد وقانون العائلات كثيرة الأولاد إذن إسرائيل نحو مزيد من التدين.
إن شرعنة ضم الضفة هي جزء من ترجمات الكتلة الدينية لأنها لم تخطر في بال علمانيي إسرائيل وحزب العمل الذين وضعوا تصورا مبكرا للضفة الغربية، وهو تصور أمني لحماية الدولة مثل استمرار السيطرة على الغور ومناطق الجبال العالية في الخليل ونابلس والقدس. لكن الكتلة القومية الدينية لها رأي مختلف في السيطرة وقانون القومية والذي لم تهدد أثاره فلسطينيي الـ48 بل تجاوز الأمر للضفة والتعامل معها حيث تم تشكيل ما يشبه البلدية للمستوطنين في الخليل، وعندما قدمت بلدية الخليل شكوى للمحكمة قال القاضي نصا، "إنه يحق للسكان اليهود تلقي خدمات بلدية مثلهم مثل السكان العرب" وهي سابقة أي أن القاضي يساوي بين الفلسطينيين من سكان الضفة وبين المستوطنين.
ترجمات ذلك على الفلسطينيين كثيرة وواضحة لكن على إسرائيل بدأت نذرها تطل في إطار علاقات داخلية وتصورات دينية صادمة لدى فئات المجتمع الإسرائيلي وهو ما سيعكس شكل الدولة خلال السنوات وربما العقود القادمة لإسرائيل كدولة. تجد التطبيقات الدينية ممانعة حاليا، ولكن مع الزمن ومع الخط البياني الصاعد ستبدأ هذه الممانعة بالتراجع نتاج ضعف كتلتها الاجتماعية التي ستعبر عن هذا الضعف في النظام السياسي وأرقامها في الكنيست والحكومة.
تجتاح العالم نزعة نحو اليمين وقد يعتقد البعض أن تلك موجة عابرة لها أسبابها وخصوصا في دول أوروبا ولكن في إسرائيل فإن الأمر مختلف تماما حيث النظام الديني الذي حذر منه زئيف هرتسوع في كتابه "الدولة اليهودية "الذي صدر منذ قرن وربع عندما وضع تصورا للدولة لا يريد خلاله لا الحاخامات ولا العسكر في النظام السياسي طالبا أن يظل الحاخامات في معابدهم والجيش في ثكناته. لكن في المشهد الحالي فإن كتل التنافس يتصدرها جنرالات حزب "أزرق أبيض" ومتدينون. ماذا يعني ذلك وإلى أين تذهب إسرائيل؟.. لا نبالغ إذا قلنا ستقترب أكثر من العالم الثالث ولا يتسع المجال للشواهد التي يمكن تلمسها، لكن المستقبل يحمل الكثير. فقط علينا المراقبة....!

الأيام