عيسى قراقع - النجاح - رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين

بعد عشرين عاما عاصفات قاسيات أفرج عن الأسير المقدسي رجائي الحداد من سجون الاحتلال الاسرائيلي، دهشة الحرية اصابت الجميع بما في ذلك السجانين في سجن النقب الذين تسابقوا لالتقاط الصور معه قبل الافراج، لم يتوقعوا ان يبقى أسيرا حيا بعد هذا الزمن الطويل، كائن حي يتحرر من القيود وقيظ النقب ويحرر السجانين من الانتظار الطويل الطويل الذي فرضه عليهم اطول احتلال.

وعندما قابلته بعد الافراج لم اصدق ان هذا الاسير قضى كل هذه المدة في السجون، لا يظهر عليه أنه تقلب على جمر الحرمان والقمع والبطش كل هذه السنين، شاب مبتسم ضحوك شامخ متكبر متفتح يعرف تفاصيلنا وملامحنا وهمساتنا، ويعرف اكثر معالم الطريق، يذكر اسماءنا وأعمارنا، يعرف اسماء الحارات والأزقة والطيور والاشجار وكأنه لم يضيع شيئا من المكان ولم يفقد شيئا من الذاكرة المتهيجة.

الأسير المقدسي رجائي الحداد منعوه ان يدخل القدس لمدة اسبوع، هناك خطر على سيادة دولة اسرائيل المحتلة في القدس، هناك خطر ان تستيقظ القدس بليلها ونهارها، بشهدائها وجرحاها ، بكنائسها ومساجدها وينتفض التاريخ والارواح والعودة الظافرة، هناك خطر ان تستيقظ الحواس والانفاس ورائحة الشمس والزيتون وتندلع في شارع صلاح الدين مظاهرة.

لقد وضعت سلطات الاحتلال شروطا على الأسير رجائي الحداد: ممنوع ان يعود فورا الى القدس ليقيم الاحتفال ويستقبله الناس، ممنوع ان يرفع علما او راية او صورة او يكتب شعارا او يمشي في مسيرة او يحمله أحدا على كتفيه مسرورا، ممنوع الاغاني والدبكة وتقديم القهوة والحلويات، ممنوع ان يستقبله المقدسيون ليتفقدوا ابنهم العائد النابض كقلب القدس، واذا ما أخل بهذه الممنوعات هددوه بالاعتقال وإعادته الى السجن مرة ثانية.

الأسير المحرر رجائي الحداد خطر على قرار ترامب وعلى مخططات اسرائيل بتهويد القدس وعزلها وطرد سكانها وإسكات أذانها وإغلاق كنائسها ، لكنه دخل القدس، ذاب فيها دفعة واحدة، استقبلته الشوارع والشرفات والباعة ورائحة الخبز الطازج ورائحة الكعك بالسمسم والمخللات ورائحة الفواكه والتوابل والملح والحناء والبخور والعسل في أزقتها العتيقة.

عاد رجائي حداد الى القدس، هنا كان وهنا بدأ، هنا فتحت الابواب الثمانية، دمه الطازج في الغرفة هو دمه الذي سال طويلا على البرش، علا الاذان وقرعت الاجراس وانطلقت مسيرة، يد فيصل الحسيني تتشابك مع يد المطران كبوتشي، اشتباكات في الطور وسلوان والعيسوية ، المرابطون والمرابطات في المسجد لم ترهبهم عصى الشرطة وقنابل الغاز والبوابات الالكترونية.

رجائي حداد في القدس، تستقبله الشهيدة الطفلة هديل عواد التي اعدموها في جريمة بشعة، تعطيه وردة وكأس ماء وكوفية، يسمع الاسرى يدقون على الابواب في سجن المسكوبية ، تستقبله عائلات الاسرى المقدسيين : زوجة ايمن الشرباتي، زوجة علاء البازيان، اهل الاسير سمير ابو نعمة، والد الاسير الطفل احمد مناصرة، ام الأسير شادي فراح، عائلة الشهيد محمد ابو خضير ، عائلة الاسيرة الجريحة اسراء جعابيص، عائلة الاسيرة الجريحة مرح باكير، وفي غزة يستقبله الشهيد المبتور القدمين واقفا ابراهيم ابو ثريا ، ويتدفق الناس من كل الحارات، يحتضنه الشهيد والاسير والشهيدة ، أجنحة في القدس تحلق في النفوس الطليقة.

الأسير المقدسي رجائي الحداد : كيف عبرت الى الروح السابعة؟ مررت عن اكثر من 700 حاجز عسكري من معبر قلنديا حتى معبر الولجة، لم تمنعك من دخول القدس تلك المستوطنات والجرافات والاجراءات العنصرية الاسرائيلية والعقوبات الجماعية ، قرأت الفاتحة على قبر عمر القاسم ونزلت بطن الهوى وأيقظت نبعا في الصخر، وأطلقت سلاما على مخيم شعفاط وألف تحية.

الاسير المقدسي رجائي الحداد: كيف عبرت الى الروح السابعة؟ القدس تتحرك فيك ، صوتك تحفظه تلال ووديان وكهوف القدس، تزفك في نهارها المقدس ، ترفعك عاليا عاليا يد سماوية.