طلال عوكل - النجاح - يبدو لي ان الفصائل الثمانية، التي قدمت مبادرة تعتبرها جديدة و جدية من اجل انهاء الانقسام، تدركن مسبقا ان مبادرتها لن تحظى بأكثر من ضجيج اعلامي و لفترة محدودة. ثلاثة عشر عاما على وقوع الانقسام، لم تثمر كل المحاولات و الوساطات و الحوارات في ان تعثر على صيغة مقبولة من الطرفين الرئيسيين فتح و حماس،؟

فكيف لمبادرة تكرر عمليا و نظريا ما ورد مسبقا في نداءات و تصريحات الفصائل و الكثير من المهتمين الفلسطينيين؟

من الواضح ان الفصائل الثمانية، و ربما ايضا من يتعاطف معها، و ايضا الفصائل الاخرى التي لم توقع على المبادرة، تتجنب وضع الاصبع على الجراح الحقيقية، التي بدون معالجتها ستظل مفتوحة على مزيد من التقرحات. لا نتحدث عن العوامل الخارجية الفاعلة و المؤثرة، و منها الدور الاسرائيلي، الذي يقف بالمرصاد لأي محاولة فلسطينية او غير فلسطينية لإنهاء الانقسام و اغلاق صفحته، و انما نتحدث عن جوهر القضايا التي تشكل في حال معالجتها، اسبابا قوية في افشال اي محاولة لتجاوز الامر الواقع. المبادرة عمليا تضع اولويات غير مقبولة من حركة فتح و هي اقرب كثيرا الى رؤية حركة حماس للمصالحة، و لا يضيف على المبادرة اي اهمية ان تتضمن رزنامة وقت لتنفيذ ما ورد في تنفيذ تلك المبادرة.

لا ينطوي مثل هذا التقويم على اتهام الفصائل المعنية، بأنها اختارت الانحياز لرؤية حماس، لكن المحصلة تشير الى ذلك مما يفقد الصيغة المطروحة اية فرصة لتحريك الوضع. لدى الطرفين حماس و فتح مواقف معلنة وفق حسابات فصائلية تتجاوز كل حديث عن الرغبة في انهاء الانقسام، فالأولى تنادي بتنفيذ اتفاقية 2011 و الثانية تنادى بتنفيذ اتفاقية 2017.

التساؤل هنا هو لماذا لم يتم تنفيذ لا هذه و لا تلك من الاتفاقيات التي وقع عليها الطرفين في حينه، و كانا ايضا قد وقعا سابقا على اتفاق2005 و اتفاق بيروت؟

الجواب المنطقي الوحيد على هذا السؤال، هو ان أيا من تلك الاتفاقيات لم تقترب بالمعالجة من القضايا الجوهرية التي غابت عن الحوارات بشأن تلك الاتفاقيات.

بأسئلة نجيب عن ذلك السؤال، و اولها هل ثمة استراتيجيو او رؤية وطنية واحدة لدى الطرفين؟

و ثانيها هل جرى حوار جدي حول المحاصصة في مؤسسات القرار الوطني الفلسطيني، بمعنى هل عالجت الحوارات و الاتفاقيات موضوع الشراكة بحيث يتضح لكل طرف ما له و ما عليه؟

و ثالث الاسئلة اذا كانت السلطة الوطنية ما تزال تبحث عن المفاوضات و عن السلام و تلتزم اشكال النضال السياسي و الدبلوماسي و الشعبي و ترفض ما يسمى بالعنف، فهل تتحمل المسؤولية عن وجود بنية راسخة و قوية للمقاومة، و هل تسمح حماس و فصائل اخرى بطي صفحة المقاومة المسلحة، و حتى ان سمحت و ذلك غير وارد فهل تستطيع تقديم المقاومة قربانا لتحقيق المصالحة و استعادة الوحدة؟

و المسألة اذا ليست قضية اجرائية و ليست قضية رواتب و رتب و معابر... الخ تعرف الاطراف ان الدخول في حوار عميق و جماعي لفحص مدى امكانية الاتفاق على هذه القضايا، سيصطدم حتما بالحسابات الفئوية و السياسية، حيث تتمسك فتح برؤيتها لدورها و ادوار الاخرين في مؤسسة القرار الوطني، و تتمسك حماس بما تعتبره حقوقا لها بما يتناسب و حجمها و دورها خصوصا بعد فوزها الكبير في الانتخابات السابقة للمجلس التشريعي.

يبقى امام الفصائل الثمانية، و ربما تجد في المجتمع طيفا واسعا من المؤسسات المجتمعية و النخب السياسية و الاجتماعية، ان تظهر مصداقيتها و جديتها في خلق تيار شعبي عريض يشكل ضغطا حقيقيا على الطرفين. خلال السنوات المنصرمة جرت محاولات عرجاء ضعيفة و متباعدة و مشرذمة فهل يمكن هذه المرة ان نكون امام فعل حقيقي يتجند فيه و له الكل و بتزامن يشمل كل ساحات العمل الوطني في الضفة و غزة و الشتات؟

ما عدا ذلك فان تدوير الزوايا و تحميل المسؤوليات او تبرئة الذمم لا يمكن ان تحرك الوضع، و لا يمكن ان يحركه كثرة الحديث عن ضرورات الوحدة لمواجهة التحديات الخطيرة و الجدية فعلا التي تتعرض لها القضية و الحقوق و يتعرض لها الشعب الفلسطيني. لقد وعدت الفصائل خلال المؤتمر الذي اعلنت فيه مبادرتها، انها ستذهب في هذا الخيار، و الفلسطينيون سيكونون في الانتظار.