النجاح - ما كان ممكنا أن لا تعود إسرائيل إلى عادتها القديمة، فما كان يليق بها أن تستمر أكثر من اللازم في اعتماد خطاب إعلامي كاذب بشأن الحرص على الأوضاع الإنسانية المتردية في قطاع غزة. بذريعة لا تنطلي على طفل، اتخذت إسرائيل قرارا بتشديد الإغلاق على قطاع غزة، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه في بدايات الإغلاق كعقاب جماعي عام 2007. السماء مغلقة والبحر مغلق أمام الصيادين، والبر مغلق لا تسمح إسرائيل بمرور البضائع إلا بما يتعلق بالمواد الغذائية والطبية الأمر الذي سيضاعف معانيات سكان القطاع. منذ البداية كان الإغلاق والحصار كعقاب جماعي ضد مليوني فلسطيني، يستهدف إدامة الانقسام، الذي يدخل هذه الأيام عامه الثاني عشر، وبما يؤدي إلى الإطاحة بعملية السلام و رؤية الدولتين، ولتنفيذ مخططها الذي تبنته الإدارة الأمريكية بإقامة الدولة في غزة، ومصادرة الجزء الأعظم من أراضي الضفة الغربية.

القرار الإسرائيلي بتشديد الحصار مؤخرا، يتزامن مع دعوة القاهرة لحركتي حماس وفتح من أجل بحث ملف المصالحة، ويشكل في الوقت ذاته حلقة من حلقات تنفيذ فصل غزة من صفقة القرن. يعرف الحلف الأمريكي الإسرائيلي أن الفلسطينيين يرفضون الصفقة، ويرفضون التعامل أو التواصل مع الادارة الأمريكية كوسيط في عملية سلام، لم تعد قائمة بالفعل، ولذلك فإن هذا الحلف يسعى إلى فرض وقائع على الأرض، حتى بدون موافقة أي طرف فلسطيني.

في المشهد السياسي ثمة حراك ووسطاء يجرون منذ بعض الوقت اتصالات ومفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحركة حماس لمعالجة ملفات الأسرى الإسرائيليين، والحراك الشعبي السلمي شرق قطاع غزة، وملف سلاح المقاومة ولذلك فإن تشديد الحصار يستهدف أيضا تحسين شروط إسرائيل في هذه المفاوضات، من خلال إقفال الخيارات أمام الفلسطينيين.

ثمة سباق محموم بين الخيار الفلسطيني لمعالجة آثار ونتائج الحصار على قطاع غزة، وبين الخيار الأمريكي الإسرائيلي، فإذا لم ينجح الأول في تحقيق المصالحة فإن الخيار الثاني، يصبح هو الوحيد المطروح على الساحة وستبدو الولايات المتحدة على أنها المنقذ لسكان القطاع من براثن الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

تتحدث الولايات المتحدة صراحة، وتؤكد ذلك بالممارسة العملية، عن أولوية معالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، من خلال جمع مليار دولار لإقامة مشاريع حيوية، عبر مؤسسات دولية، سيكون من الصعب على حركة حماس أو السلطة أن ترفض إقامتها، وربما تساعد في إقامتها بعض الدول العربية. تحجب الولايات المتحدة الأموال عن الأونروا، وتستهدف تجفيفها، وإلغاءها من الوجود، كشاهد على حق الفلسطينيين في العودة، وتجنيد الأموال بذريعة إنقاذ سكان القطاع من الأزمة التي تعصف بهم، وكل ذلك لتحقيق أغراض سياسية تتطابق كليا مع الأهداف الإسرائيلية. المشاريع التي ستقيمها الولايات المتحدة، وقد ترافقها ما يسمى بتسهيلات تقدمها إسرائيل لاحقا، تستهدف تأهيل القطاع ليكون الأرض التي يتاح للفلسطينيين إقامة كيانهم السياسي عليها. الفلسطينيون بكافة أطيافهم ورؤاهم السياسية يدركون تماما أبعاد هذا المخطط الأمريكي الإسرائيلي، ويعبرون عن ذلك بلغة واضحة وصريحة، لكنهم حتى اللحظة مرتبكون بشأن كيفية مواجهة هذا المخطط الذي يساهم في تمريره الانقسام الخطير الذي لا يزال يسيطر على المشهد الفلسطيني. القاهرة تقدم موضوعيا الفرصة الأخيرة لفرض الخيار الفلسطيني، ولقطع الطريق على الخيار الأمريكي الإسرائيلي، فهل سينجح الفلسطينيون في الانتصار على ترددهم وخلافاتهم وانقسامهم، أم أنهم سيخلون الساحة للخيار الأمريكي الإسرائيلي الذي يستعجل فرض مخططاته، ويملك ما يكفي من إرادة وإمكانيات لإنجاحها؟

 

خاص النجاح الاخباري