النجاح - يتواصل انكشاف قصص اعتداءات شرطة الاحتلال الإسرائيليّة وجهاز "الشاباك" على المواطنين في مدن الداخل المحتل، خلال الهبّة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة. وتكشف شهادات رصدها موقع "عرب 48" مدى استفحال عنف قوات الأمن، ضمن مساعيها لترهيب وقمع العرب، وهي مساعٍ تواصلت لمدة أسبوعين في حملة اعتقالات أعلنت عنها شرطة الاحتلال بعد انتهاء العدوان على غزّة، وطالت أكثر من ألفي شخص، بحسب اللجنة العربيّة للطوارئ، المنبثقة عن لجنة المتابعة، وبحسب مؤسسات حقوقيّة كذلك.

وبحسب الشهادات؛ فإن شرطة الاحتلال الإسرائيليّة اعتقلت واعتدت بشكل وحشيّ على شاب وعائلته من مدينة الناصرة في منزله، بحجة المشاركة في مظاهرة وإحراق إطارات خلالها، هو لم يشارك فيها أصلا، بالإضافة إلى اقتحام منازل في قرية كفر مندا، وتنفيذ اعتقالات عشوائيّة، والدخول إلى محال تجاريّة ومصادرة كاميرات دون تصريح قضائيّ بذلك.

كما كشفت الشهادات إمعان قوات أمنيّة ملثّمة بالدخول إلى غرفة اعتُقل فيها 13 شابًا من النقب في محطة للشرطة بقرية عرعرة النقب، والاعتداء عليهم بالضرب أكثر من مرة طوال يوم الاعتقال، بينما وثّقت شهادة طالب من مدينة اللد يدرس في جامعة بئر السبع اعتداء متطرفين يهود على الطلاب العرب بحماية شرطة الاحتلال الإسرائيليّة.

والمشترك في جميع الشهادات هو أنّ أجهزة الأمن الإسرائيلية، تعمّدت التسبب بالألم، وإلحاق الأذى، في حين وفّرت الحماية لمستوطنين ومتطرّفين.

ولم يتوقّع الشاب سامر بشر من الناصرة، أن تتحوّل الفرحةٌ في أوّل أيام عيد الفطر، إلى ألم إثر اعتداء عناصر من شرطة الاحتلال عليه وعلى جميع أفراد أسرته.

وذكر بشر أن عناصرَ من شرطة الاحتلال بلباس مدنيّ، وصلوا إلى منزل أسرته قرابة الساعة الرابعة عصرًا من اليوم الأوّل في العيد، أثناء تجهّزه لزيارة الأقارب، لتعتقله هو وأشقاءه وتعتدي على العائلة.

وسردَ بشر تفاصيل ما جرى خلال الاعتقال والاعتداء، قائلا: "فتحت الباب ورأيت أمامي نحو 30 شخصا، لا يرتدون ملابس شرطة، وصوّبوا أسلحتهم نحونا في المنزل. سألوا عن اسمي وقالوا لي أنت معتقل ولم يقولوا لي السبب، ولم أقاومهم، إلا أنهم قاموا بتقييد يديّ واقتيادي إلى مدخل المنزل في الخارج وبدأوا بضربي".

وأضاف بشر: "هناك من ضربني بسلاحه مباشرة على موقع حساس وراء أذني، وهناك من وضع رجله على ظهري، وقام أكثر من شخص بالتنواب على ضربي على وجهي بكل عنف. ثم بدأوا بتوجيه شتائم وكلام بذيئ بحقّ أختي وعائلتي لا أستطيع ذكرها".

وتابع: "ثم قام أحدهم بشدِّ أمّي من يدها من على سريرها الطبيّ، علما بأنّها تعاني من وضع صحيّ خاصّ، إذ إنها لا تستطيع التحرُّك لوحدها. حاول أحد عناصر الأمن إسقاطها على الأرض من سريرها الكهربائيّ الذي كان واضحًا أنه سرير طبّي مع كل الأجهزة والأسلاك التي تشير إلى ذلك، ثم جاءت أختي التي تبلغ من العمر 14عامًا، صوب أمي، فقام واحد منهم بصفعها، ثمّ دفعها باتّجاه الحائط، ثم جاءت أختي الكبيرة بهاتفها للاتصال بالإسعاف، فضربوها وألقوا بهاتفها من الشباك".

 

واستمرّ بشر في سرد تفاصيل الاعتداء الذي طال جميع أفراد الأسرة، قائلا: "حاول أبي القيام عن كرسيّه بعدما شاهد كلّ ما حصل، فضربوه وداسوا على رجله ويده، بالرغم من أنّه يعاني من مشاكل في المشي".

وأضاف بشر: "صادروا جميع الهواتف المحمولة منّا، واعتقلوا شقيقي الذي يبلغ من العمر 17عامًا، والذي كان في المنزل أثناء الاعتداء، وفي ذلك الوقت اتصل أحد الجيران بشقيقي الثاني الذي كان خارجًا من المنزل متوجهًا إلى إيلات مع أصدقائه، وأخبره أن هناك شيئا غريبا في منزلكم، فجاء دون أن يعلم ما يحصل، فقاموا بالاعتداء عليه واعتقاله كذلك".

وفي ما يخصّ، تفاصيل الاعتقال، وما تخلّله من تنكيل، قال بشر: "خلال نقلنا إلى معتقل المسكوبيّة، كان رجال الأمن يسبّوننا ويضحكون علينا، ويتناقلون رسائل صوتيّة بهواتفهم يقولون فيها: ’اعتقلنا أربعة كلاب عربا’، وقبل التحقيق اتّهموني بأنني شاركت في مظاهرة ليلة العيد عند مجمّع ’دوشي’، ورمي الحجارة خلالها، وإشعال الإطارات، وبأنني ضربت يهوديًّا في مدينة ’بيتح تكفا’، وأنا لم أشارك حتّى في مظاهرة، ليلةَ العيد، إذ إنني كنت في النادي الرياضي، كما زرت منزل خالي لتناول الطعام، ولم يكن لدي الوقت أصلًا للذهاب للمظاهرة كوني كنت أتحضّر لزيارة الأقارب في اليوم التالي، بمناسبة العيد".

تعمُّد التسبب بالألم؛ "نحن بحاجة إلى حماية دوليّة"

وأوضح بشر أنّ التسبُّب بالألم، كان مقصودا من قِبل عناصر الأمن، إذ إنه قال: "طلب شقيقي من الشرطي تخفيف قيده لأن يداه توجعانه من السوار البلاستيكيّ الذي وضعته الشرطة، فما كان من الشرطيّ إلا وشدّ وثاقه أكثر"، ليفاقم الألم.

وذكر بشر أنّ شقيقه الآخر، "الذي تعرّض لحادث طرق قبل فترة ويضع حزاما على ظهره (لتخفيف الألم)، قال للشرطي عن الألم الشديد في ظهره، فجاء الشرطي وسأله أين؟ ثم ضربه على مكان الوجع".

وأضاف واصفا معاناته خلال الاعتقال: "هذه أول مرّة أُعتَقَل فيها، وأجريت التحقيق وأنا أشعر بالدوار بسبب الضرب، وطلبت لقاء طبيب لكنهم لم يتجاوبوا (مع طلبي)". وتابع: "سألني شرطي في (معتقل) المسكوبيّة ما هذه العلامات على وجهك؟ فقلت له هذه منكم، فقال لسنا نحن، وأعتقد أن من قام بذلك قوات أمنيّة (تابعة) للشاباك، لأنه بعد الساعة الرابعة لا يبقى أحد من الشرطة وتأتي قوات أخرى".

وقال بشر: "نمنا يوما واحدا في المعتقل، وتواصل معي محام عبر الهاتف قبل التحقيق، وفي المحكمة لم يعرضوا أيّ دليل على ما اتُّهمت به، وجرى إطلاق سراحي مع إبعاد عن الناصرة لمدة أسبوعين".

وأكّد بشر الذي كان يتحضّر لإجراء امتحانات لدخول الجامعة والبدء بالتعليم، أنه بحالة نفسية سيئة، والاعتداء الأقسى بالنسبة إليه ليس ضربه،وإنما رؤية أفراد عائلته يتعرّضون للضرب أمامه، وبخاصة والداه اللذان يعانيان من مشاكل صحيّة، وهو مكبّلٌ لا يستطيع أن يفعل أي شيء لحمايتهما".

وأشار إلى أنه يفكّر بتقديم شكوى كما نُصح من قِبل محامين إلى "قسم التحقيق مع الشرطة "ماحاش" "، لكنه تساءل مستدركا: "ماذا ستفعل شكواي في الوقت الذي أخذوا أوامرهم من رئيس الحكومة وبتدخل الشاباك. قتلوا عربيا في اللد (الشهيد موسى حسونة، بالإضافة إلى استشهاد الشاب محمد كيوان من مدينة أم الفحم) وأخرجوا المتهمين".

وتابع: "أنا لست أول أو آخر شاب يحصل معه هذا الاعتداء ورأينا بالفيديوهات العديد من الحالات. باعتقادي؛ نحن بحاجة إلى حماية دوليّة".

"ملثّمون تناوبوا على ضربنا طوال الليل"

في يوم الثلاثاء، الحادي عشر من أيّار/ مايو، جاءت قوات من شُرطة الاحتلال إلى منزل الناشط مفيد سويلم من قرية شقيب السلام في النقب لاعتقاله. دخلوا المنزل، واعتدوا على الممتلكات، ولم يجدوه، إذ كانت زوجته وأبناؤه لوحدهم في المنزل.

وحينما عاد سويلم إلى المنزل، وعرف بالذي جرى، قرر الذهاب إلى محطة لشرطة الاحتلال ليستفسر عمّا يريدونه منه، كي لا يعودوا إلى المنزل في غيابه، ويرهبوا عائلته، إلا أنه تمّ اعتقاله في المحطة.

 

وقال سويلم الذي يبلغ من العمر 37 عاما، وهو مؤسس جمعيّة "رواق" في النقب: "ضربوني في محطة الشرطة في شقيب السلام، وقالوا لي مخرّب، ثم اقتادوني إلى محطة في عرعرة النقب واعتقلوني هناك منذ الساعة الثالثة عصرًا، وحتّى الثامنة صباحًا".

وأضاف: "داخل المحطة تعرضت أنا والشبان المعتقلون إلى ضرب مبرح. كانت تدخل وحدة ملثّمة تضم عدّة عناصر لضربنا ثم تخرج. كنّا 13 شخصًا داخل غرفة صغيرة".

وتابع: "كنا مقيّدين، لم يكن فيها مساحة حتّى للجلوس، والجميع هناك تعرّض للضرب، وكانت الدماء تسيل على ملابسنا وعلى الأرض والجدران. دخلوا علينا أكثر من مرّة خلال الاعتقال، وضُربنا بشكل وحشيّ وانتقاميّ".

وشدّد سويلم الذي شارك في الماضي في العديد من الحراكات الشعبيّة ضد مخططات الاستيلاء، وضدّ تهجير العرب في النقب،: "ليست أول مرّة أعتقَل فيها، لكن هذه أول مرّة أرى هذه الوحشية".

وأضاف: "كان الضرب شديدًا واختلف عما شهدناه في مواجهات (مخطط) ’برافر’. كان الضرب بدافع انتقامي ووصفوننا بأننا أعضاء في حركة حماس".

وتابع: "كنا صائمين خلال شهر رمضان، وطلبنا الماء لكي نفطر، فرفضوا حتى تقديم الماء لنا. كانت الشرطة هناك وكنّا نسألهم من هؤلاء وكانوا يقولون لنا لا نعرف وأنه لا مفتاح أصلًا معهم للقيود التي بأيدينا".

وقال سويلم: "لم نكن نعلم مع من نتعامل ومن كان يضربنا. جلبوا ولدًا من إحدى عائلات النقب، ودفعوه بقوة إلى باب حديديّ، حتى تطاير دمه علينا وتم نقله إلى مستشفى ‘سوروكا’ في بئر السبع".

بعد ذلك، عُرض سويلم وآخرون، صباح اليوم التالي، على المحكمة التي أفرجت عنه وقررت إبعاده عن النقب لمدة أسبوعين بعد اتّفاق بين طاقم المحامين والمحكمة، إذ قضى فترة الإبعاد في مدينة حيفا، إلا أن غيره ممن اعتُقل من المظاهرات جرى تقديم لوائح اتّهام ضدهم، بحسب ما قال.

وتطرق سويلم إلى انعكاسات وتبعات الاعتقال على عائلته، وقال: "أمي مرضت بعد الذي حصل، وابنتي وابني (5 و7 أعوام) كانا يتصلان كل يوم ويبكيان. كان يجب أن أكون معهم (مع العائلة) يوم العيد".

اعتقالات عشوائيّة ومصادرة كاميرات دون تصريح قضائيّ

وشهدت قرية كفر مندا حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من أبنائها خلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت عائلة شهيد انتفاضة القدس والأقصى عام 2000، رامز بشناق، إذ داهمت قوات أمنية كبيرة من شرطة الاحتلال القرية، يوم الأحد في السادس عشر من أيّار/ مايو، واعتقلت حلمي بشناق من مكان عمله في محطة "وينر"، بعدها بوقت قليل.

وقالت بشناق: "الأجواء كانت مخيفة ومرعبة، بدأوا بالحديث مع شقيقي راجي، وكان هناك أبناء أخوتي الذين اعتقلوهم. علما بأن أحدهم قدمه مكسورة بسبب حادث عمل، ولم يشارك بالمظاهرات حتى، وحاولنا إقناعهم بذلك، إلّا أنهم اعتقلوه ولم يستمعوا إلينا أصلًا. أخذوا كل الشباب، كل شخص كانوا يرونه كان يُعتقل".

وأضافت بشناق: "اقتحموا منازلنا وفتشوا كل غرفة حتّى دون أمر قضائي. خاف الأطفال كثيرًا وبكوا لساعات. اعتقلوا أخوتي من أمام أطفالهم دون اكتراث. حاصرونا داخل المنزل وحاولنا الخروج للتصوير والتوثيق، إلا أن أحدهم منعنا وأسند الباب بجسده كي لا نخرج. كذلك صادروا كاميرات محل الخضار الذي لنا دون تصريح قضائي. هذه الكاميرات وثّقت عنفهم وعملية الاعتقال، لكن صادروها، حتى عندما حاولنا نحن التصوير منعونا من ذلك، وهددونا باعتقال النساء الموجودات إذا صوّرنا، لذلك عدنا إلى المنزل كي لا تتطور الأمور. وحاول ابن عمّي الدخول إلى المحل للسؤال عن تصريح مصادرة الكاميرات فضربوه وطرحوه أرضًا. ثم عادوا وفتّشوا منزل أخي مرّة أخرى بحثا عن المزيد من الشباب لاعتقالهم".

وذكرت بشناق أسماء المعتقلين من عائلتها، قائلة: "في نهاية المطاف اعتقلوا سبعة أشخاص وهم: راجي وحلمي وعبيدة ورافع وطاهر ومحمد ورامز بشناق".

وأضافت: "هذه ليست المرّة الأولى التي نعيش تجربة الاعتقالات فمنذ استشهاد أخي رامز، تعودنا على أسلوبهم، لكن هذه المرّة كانت مختلفة وأكثر وحشيّة".

وقالت: "في اليوم السابق، وخلال قمعهم للمظاهرات في البلدة، قاموا بإلقاء قنبلة غاز على شرفة منزلنا أثناء تواجدنا على الشرفة، وصوبوا أسلحتهم علينا. كما دخلوا إلى مقهى واعتقلوا أشخاصا جالسين هناك".