غزة - النجاح الإخباري - بعد أكثر من عامين على الحرب، لا تزال غزة تعيش على وقع الدمار والاحتياجات المتفاقمة، فيما لم ينجح وقف إطلاق النار في إنهاء المعاناة الإنسانية أو إعادة الحياة إلى طبيعتها. فخلف الأرقام الكبيرة للضحايا، ما تزال آلاف العائلات تواجه فقدان أبنائها، وآلاف الجثامين عالقة تحت الأنقاض، بينما تعمل المنظومات الصحية والخدماتية بقدرات محدودة وفي ظروف بالغة الصعوبة.

وفي ظل هذا الواقع، لا تقتصر مهمة فرق الدفاع المدني على الاستجابة للقصف والحرائق والإنقاذ، بل باتت تواجه ملفاً إنسانياً أكثر تعقيداً يتمثل في انتشال الضحايا من تحت الركام والتعرف على جثامينهم، وسط نقص حاد في المعدات والآليات، واستمرار المخاطر الميدانية.

هذه الصورة نقلها المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل، خلال لقاء مع إذاعة صوت النجاح، متحدثاً عن واقع القطاع بعد سنوات من الحرب، وحجم التحديات التي تواجه طواقم الإنقاذ، إضافة إلى مصير آلاف الضحايا والمفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم.

وقال بصل إن قطاع غزة يعيش واقعاً وصفه بأنه «بلا حياة»، في ظل انهيار مقومات المعيشة الأساسية، من السكن والغذاء والمياه والدخل، مشيراً إلى أن غالبية السكان يعتمدون على المساعدات التي لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وأضاف أن الوضع الميداني لا يزال غير مستقر، مع استمرار القصف والاستهداف والعمليات العسكرية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على القطاعات الإنسانية والخدماتية، وعلى قدرة الطواقم المختصة على الوصول إلى الضحايا والاستجابة لنداءات الاستغاثة.

حصيلة الحرب لا تزال ترتفع

وتأتي هذه الشهادة في ظل استمرار تسجيل ضحايا رغم اتفاق وقف إطلاق النار. ووفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة المنشورة في 26 آب/أغسطس، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 73,438 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين 174,447. كما بلغ عدد الشهداء الذين سُجلوا منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025 1,303 شهداء، إضافة إلى 4,336 مصاباً، مع انتشال 814 جثماناً خلال الفترة نفسها. وأكدت الوزارة أن ضحايا آخرين لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، وسط صعوبات تواجه فرق الإنقاذ في الوصول إليهم.

وتنسجم هذه الأرقام مع ما تحدث عنه بصل بشأن استمرار الخطر الميداني، إذ أكد أن وقف إطلاق النار لم ينهِ المعاناة الإنسانية في القطاع، وأن عمليات القصف والاستهداف لا تزال تشكل خطراً على السكان وعلى الطواقم التي تحاول الوصول إلى المناطق المتضررة.

8 آلاف ضحية تحت الأنقاض

وكشف بصل أن الدفاع المدني يقدّر وجود نحو 8 آلاف شخص ما زالوا تحت الأنقاض، مشيراً إلى أن عمليات البحث والانتشال تجري على مراحل وبالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وأوضح أن الطواقم تمكنت، خلال المرحلة الثانية من عمليات البحث التي بدأت في يونيو/حزيران، من انتشال نحو 500 شخص من أصل قرابة ألف جثمان كانت محددة مواقعها في تلك المرحلة، بينما لا يزال مصير آخرين مجهولاً.

وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على صعوبة الوصول إلى الأنقاض، بل تمتد إلى صعوبة التعرف على الجثامين، خصوصاً بعد مرور فترات طويلة وتحلل بعضها، داعياً إلى توفير أجهزة فحص الحمض النووي في غزة لتمكين العائلات من معرفة مصير أبنائها.

وقال إن هناك عائلات لا تعرف حتى الآن ما إذا كان أبناؤها قضوا تحت الأنقاض أم اعتُقلوا، في ظل وجود ملف واسع للمفقودين وعدم توفر معلومات كافية حول مصير كثير منهم.

الدفاع المدني يعمل بإمكانات منهارة

وأكد بصل أن الدفاع المدني يعمل حالياً «بالحد الأدنى»، موضحاً أن وصول الطواقم إلى أماكن الحرائق أو الاستهدافات، والذي كان يستغرق دقائق في الظروف الطبيعية، قد يستغرق اليوم نحو نصف ساعة بسبب تدمير الطرق والبنية التحتية وخروج عدد كبير من المركبات عن الخدمة.

وضرب مثالاً بخروج مركبة استراتيجية للدفاع المدني في مدينة غزة عن الخدمة بسبب انفجار إطارها، مشيراً إلى الارتفاع الكبير في أسعار قطع الغيار وصعوبة توفيرها.

كما وصف وضع منظومة الإسعاف بأنه بالغ الصعوبة، قائلاً إن سيارات الإسعاف باتت تُستخدم أحياناً لنقل جثامين، في انعكاس مباشر لحالة الانهيار التي أصابت القطاع الصحي والخدمات الإسعافية.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن المنظومة الصحية في غزة لا تزال تواجه نقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، فيما تعرض قطاع الصحة لعشرات الهجمات التي أثرت في مرافق ومركبات صحية وأعاقت تقديم الرعاية.

أزمة تتجاوز الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية

وتتجاوز الأزمة في غزة آثار القصف والدمار المباشر، لتطال أبسط احتياجات الحياة. فوفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كان 90% من سكان غزة يعانون في مطلع يوليو من انعدام أمن مائي متوسط إلى مرتفع، مع استمرار صعوبات الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة.

كما لا يزال 67% من سكان القطاع يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما تستمر الأمراض المعدية بالانتشار نتيجة الاكتظاظ وسوء أوضاع المياه والصرف الصحي والنظافة.

وفي الجانب التعليمي، قال بصل إن جيلاً كاملاً من الطلبة حُرم من البيئة التعليمية الطبيعية، بعدما تعرضت المدارس والمنظومة التعليمية لأضرار واسعة.

أما العاملون في القطاعات الإنسانية، ومن بينهم عناصر الدفاع المدني، فيعيشون الظروف ذاتها التي يعيشها باقي السكان، لكنهم يواصلون العمل في بيئة بالغة الخطورة والإجهاد.

طواقم الإنقاذ.. ثلاث سنوات من العمل تحت الخطر

وقال بصل إن عناصر الدفاع المدني يعملون منذ سنوات في ظروف قاسية، ويتعاملون بصورة مستمرة مع الجثامين والضحايا والأنقاض ومخاطر الأمراض والأوبئة، فضلاً عن الآثار النفسية الناجمة عن مشاهدة الموت والدمار بصورة يومية.

وأشار إلى أن العاملين يتقاضون مبالغ محدودة للغاية، لا تتناسب مع حجم المسؤولية والظروف المعيشية الصعبة، لافتاً إلى أن الموظف الذي يذهب لإنقاذ الآخرين يعود ليواجه أزمات المياه والطعام والسكن والكهرباء التي يعاني منها باقي سكان القطاع.

ووصف بصل المشهد النفسي والاجتماعي بأنه بالغ القسوة، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر تعيش تحت ضغط عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالها، فيما يعيش آلاف النازحين في خيام وسط درجات حرارة مرتفعة وظروف معيشية قاسية.

أنقاض غزة.. ملف إنساني مفتوح

ولا تتوقف معاناة القطاع عند الضحايا الذين تم انتشالهم، إذ لا تزال آلاف الجثامين والمفقودين يشكلون ملفاً مفتوحاً أمام عائلاتهم والجهات الإنسانية.

وقال بصل إن الدفاع المدني يمتلك بيانات وخرائط لمواقع عدد من الضحايا الموجودين تحت الأنقاض، بما في ذلك مناطق تقع قرب ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، مشيراً إلى أن الوصول إلى بعض هذه المناطق ما زال شديد الصعوبة.

وأضاف أن استخدام حفار واحد وبإمكانات محدودة يعني أن إنهاء ملف الضحايا قد يستغرق سنوات، بينما يمكن إنجازه خلال أشهر في حال توفير المعدات الثقيلة والموارد اللازمة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن غالبية سكان غزة ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية ومكتظة، فيما تستمر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية في تعميق الأزمة الإنسانية.

وفي ظل هذا الواقع، يحمّل بصل المجتمع الدولي مسؤولية التحرك لتوفير المعدات اللازمة لفرق الإنقاذ وإنهاء ملف المفقودين والضحايا تحت الأنقاض، معتبراً أن استمرار غياب القرار الدولي الفاعل يعني استمرار المعاناة الإنسانية في القطاع.