النجاح الإخباري - لم تتوقف تداعيات فيلم "نازا" عند حدود مهرجان البندقية، حيث حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة، بل انتقلت إلى قلب النقاش العام داخل إسرائيل، بعدما فتح الفيلم، عبر شهادات جنود وعاملين في الاستخبارات العسكرية، نقاشا حول آليات الاستهداف في قطاع غزة وحجم الخسائر المدنية التي كانت متوقعة قبل بعض الضربات.
وفي أحدث فصول الجدل، خرج عقيد احتياط في سلاح الجو، عرّف عن نفسه بالحرف "أ"، للرد على ما ورد في الفيلم، نافيا أن تكون المؤسسة العسكرية قد وافقت على تنفيذ غارة كان متوقعا أن تؤدي إلى مقتل 500 مدني.
ويقول "أ"، الذي تحدث إلى صحيفة "يديعوت أحرونوت" دون الكشف عن اسمه، إنه نفذ آلاف الغارات الجوية في غزة ولبنان وإيران وسوريا واليمن، وإنه كان حتى نحو عام مضى قائدا لقاعدة رمات دافيد الجوية.
ويؤكد الطيار أنه لم يشاهد "نازا" ولم يستمع إلى الشهادات الواردة فيه، لكنه اطلع على ما نشر عن الفيلم، وزعم أن الادعاء بالموافقة على غارة قد تسفر عن مقتل 500 شخص "لم يحدث"، مؤكدا، استنادا إلى خبرته في تخطيط وتنفيذ آلاف الغارات، أنه لم يصادف رقما مماثلا أو قريبا منه.
وتستند إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في الفيلم إلى شهادة مصدر عسكري مجهول تحدث عن موافقة على استهداف عنصر من حركة حماس مع توقع سقوط عدد كبير من المدنيين، يصل - بحسب الشهادة الواردة في الفيلم - إلى 500 شخص.
وكان جيش الاحتلال قد نفى بدوره أن تكون قواته خططت أو نفذت خلال الحرب في غزة ضربة كان متوقعا أن يقتل فيها 500 مدني، مؤكدا أن قرارات الاستهداف النهائية يتخذها بشر، وأن الأضرار المتوقعة على المدنيين تدخل ضمن عملية اتخاذ القرار.
ويقدم العقيد "أ" رواية مختلفة عن آلية اتخاذ قرار القصف، قائلا إن الهدف يأتي من أجهزة الاستخبارات ويخضع، بحسب وصفه، لعملية تحقق من صلته بنشاط عسكري، ثم يمر عبر سلسلة من الموافقات، قبل أن تصل عملية التنفيذ إلى الطيار.
ويدعي أن الطيار يملك صلاحية عدم تنفيذ الضربة أو تغيير الوسيلة المستخدمة إذا لم تستوف الشروط المطلوبة، مشيرا إلى عوامل تشمل الطقس والرؤية والتأكد من الهدف ووجود أشخاص في المنطقة المحيطة به.
وبحسب روايته، قد تتغير نوعية الذخيرة المستخدمة، وقد تُتخذ إجراءات لإخلاء المدنيين قبل القصف، زاعما أن الطيار يواجه قبل إطلاق الذخيرة موازنة بين "المكسب العملياتي" والمخاطر المحتملة على المدنيين.
وفي الوقت نفسه، لا ينكر "أ" احتمال سقوط مدنيين خلال الغارات، ويقول إن إصابة أشخاص غير مشاركين في القتال "مروعة على المستوى الإنساني"، لكنه يرى أن استمرار العمليات العسكرية ضروري، من وجهة نظره، لحماية الجنود والمواطنين الإسرائيليين.
أما صانعا الفيلم، راحيل شور ويوفال أبراهام، فيقدمان رواية مختلفة، إذ يستند "نازا" إلى شهادات 24 من العاملين السابقين أو الحاليين في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، جرى إخفاء هوياتهم، ويتناول آليات اختيار الأهداف ودور أنظمة تقنية وذكاء اصطناعي في عمليات الاستهداف. وتقول المصادر الإسرائيلية إن هوية الشهود وأدوارهم لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، فيما يرفض الجيش الاتهامات الواردة في الفيلم.
والفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 80 دقيقة، حصل في مهرجان البندقية على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، بعد عرض حظي بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، وفق تقارير إعلامية. كما يشير الموقع الرسمي للمهرجان إلى أن الفيلم صُوّر ليلا فوق أسطح في تل أبيب، ويركز على الأنظمة التي يقول صانعاه إنها تقف خلف عمليات القصف في غزة.
لكن الجدل لم يبق في إطار النقاش حول مضمون الفيلم.
فبعد فوزه في البندقية، تصاعدت الدعوات ضد صانعيه، ووصلت إلى المطالبة بسحب جنسيتهما. وكان وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهر قد طالب بفحص إمكانية سحب جنسية راحيل شور ويوفال أبراهام، ودعا إلى التحقق مما إذا كانت أفعالهما قد ترقى إلى الخيانة أو مساعدة العدو.
كما أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الدفع بتشريع يسمح بسحب الجنسية ممن يتهمهم بتشويه سمعة جنود الجيش، إلى جانب تشديد العقوبات المالية في قضايا التشهير.
وفي تطور آخر، أمر رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بفحص إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيلم والمشاركين فيه، بينما وصف الفيلم، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، بأنه يتضمن اتهامات وصفها بأنها كاذبة وخطيرة ضد جنود الجيش وقادته.
وتحولت الحملة إلى احتجاجات ميدانية، إذ تظاهر عشرات أمام منزل والدي راحيل شور في سافيون، وردد بعض المشاركين هتافات تضمنت الدعوة إلى إعدام صانعي الفيلم ووصفهما بـ"الخونة"، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية. كما وصل ناشطون يمينيون إلى مكاتب موقع "سيحا مكوميت"، حيث ينشر يوفال أبراهام مواده الصحفية.
وفي المقابل، أعلنت شخصيات ومؤسسات داخل إسرائيل دعمها لصانعي الفيلم، إذ وقع أكثر من 1500 من العاملين في صناعة السينما الإسرائيلية على عريضة داعمة لهما، كما أصدرت عشرات منظمات حقوق الإنسان بيانات تطالب بوقف التهديدات والسماح بعرض الفيلم داخل إسرائيل ليتمكن الجمهور من مشاهدته ومناقشة ما يطرحه.
ويصر صانعا "نازا" على أن الشهادات التي جمعاها تكشف عن منظومة أوسع لاتخاذ قرارات الاستهداف، وأن إخفاء هويات المصادر كان ضروريا لحمايتها.
وهكذا لم يعد الجدل حول "نازا" مقتصرا على فيلم عن حرب غزة، بل تحول إلى مواجهة حول الشهادات التي يقدمها، وآليات مساءلة المؤسسة العسكرية، وحدود النقد داخل إسرائيل، وصولا إلى التهديدات التي طالت صانعيه وعائلاتهم.
وفي جوهر هذه المواجهة يبقى سؤال لم تحسمه الضجة المحيطة بالفيلم: ما الذي حدث فعلا داخل غرف اتخاذ القرار قبل تنفيذ الغارات، وما حجم الأضرار المدنية التي كانت متوقعة ومعلومة مسبقا؟
فالفيلم يقدم شهادات من داخل المؤسسة، والجيش ينفي اتهاماته، والطيار "أ" يقدم رواية مضادة من داخل المنظومة نفسها. وبين الروايات المتعارضة، تبقى الإجابة الكاملة مرتبطة بمدى إمكانية فحص الأدلة والوثائق والشهادات التي تقف خلف كل رواية.