نابلس - النجاح الإخباري - تدفع وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي خلال الفترة الحالية نحو إقرار أنظمة جديدة تهدف إلى شرعنة مزارع الرعي الاستيطانية في الضفة الغربية، في خطوة من شأنها تنظيم وضع نحو مئة مزرعة قائمة حاليًا أُقيمت بتشجيع من الدولة وبالتنسيق مع الجيش، رغم أن مكانتها القانونية ما تزال غير منظمة.

ويعمل على إعداد هذه الأنظمة منذ عامين طاقم الاستشارة القانونية في وزارة الدفاع وفرقة الضفة الغربية، فيما أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال جلسة كابينت عُقدت في مارس الماضي لمناقشة ما وصف بـ«الإرهاب اليهودي» في الضفة الغربية، بدفع الإجراءات اللازمة لإقرارها بأسرع وقت. وتخضع الأنظمة حاليًا لفحص المستشارة القانونية للحكومة.

وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية، تستند الخطوة إلى مواءمة التشريعات المعمول بها في الضفة الغربية مع قانون «مزارع الأفراد» الذي أقره الكنيست في مارس 2025 بهدف تنظيم السكن في مزارع الرعاة في النقب والجليل. وتسعى وزارة الدفاع والجيش إلى تطبيق النموذج ذاته في الضفة الغربية، بعدما لم يكن القانون المحلي يسمح حتى الآن بشرعنة مباني السكن المقامة في المزارع الواقعة خارج حدود التجمعات السكنية.

وتنص الأنظمة المقترحة على منح تراخيص لمدة سبع سنوات لبناء المزارع، مع اشتراط الحصول على موافقة أمنية من الجيش قبل إصدار الترخيص. كما تمنح قائد المنطقة صلاحية سحب الترخيص لأسباب أمنية، وتحدد مساحة المزرعة بما يصل إلى 150 مترًا مربعًا وعدد الأشخاص المسموح بإقامتهم فيها. وتشترط الأنظمة تقديم وثائق تتضمن توقيع صاحب حقوق الملكية على الأرض، ومصادقات من المجلس الإقليمي وسلطة الإطفاء والإدارة المدنية وجهات أخرى، إضافة إلى إمكانية فرض ضمانات مالية على أصحاب الطلبات، على أن يصادق المجلس الأعلى للتخطيط في نهاية المطاف على التراخيص.

وكان نتنياهو قد أصدر خلال جلسة الكابينت نفسها تعليمات إضافية تقضي بعدم إقامة بؤر جديدة في المنطقة “ب”، وتنفيذ إجراءات إنفاذ تؤدي إلى إخلائها فورًا إذا أُقيمت، إلى جانب فرض عقوبات اقتصادية على من يقيمون بؤرًا ومزارع بصورة غير قانونية. إلا أن مصدرًا أمنيًا أشار إلى أن هذه التعليمات لا تُطبق فعليًا على الأرض، موضحًا أن الإدارة المدنية بدأت مؤخرًا فقط بمصادرة قطعان أغنام يملكها مستوطنون، فيما بيع قبل أسبوعين أول قطيع تمت مصادرته.

وأصبحت مزارع الرعي خلال السنوات الأخيرة، وبصورة خاصة منذ اندلاع الحرب، أحد أبرز مشاريع الحركة الاستيطانية. ففي ديسمبر 2025، قال وزير المالية ورئيس حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش إن هذه المزارع ليست قانونية حاليًا، لكنه أكد العمل على جعلها كذلك.

ويرى مسؤولون أمنيون أن الزيادة الكبيرة في عدد المزارع خلال العام الأخير، وما رافقها من أحداث عنف، حولتها إلى عبء أمني متزايد. كما أشار قائد المنطقة الوسطى آفي بلوط إلى أن بعض المواقع التي تصف نفسها بأنها مزارع لا تُعد كذلك فعليًا ولم تُقم بالتنسيق مع الجيش. وفي حين تُقام المزارع الحالية بالتنسيق مع قيادة المنطقة الوسطى، فإن هذا التنسيق يستند إلى إجراءات داخلية غير منصوص عليها قانونيًا، وهو ما تسعى الأنظمة الجديدة إلى معالجته.

وتشير المعطيات إلى وجود نحو مئة مزرعة في الضفة الغربية من أصل نحو 350 بؤرة استيطانية. وعلى خلاف ما يعرف بـ«بؤر التلال»، أُقيمت هذه المزارع بالتنسيق مع المستويين السياسي والعسكري تحت شعار «الحفاظ على أراضي الدولة». وتحصل المزارع عادة على أراضي الرعي من خلال شعبة الاستيطان بإجراءات وصفت بأنها غير شفافة، وتشكل موضوع التماسات قضائية تطالب بكشفها.

وبحسب تقرير مشترك لحركة «السلام الآن» ومنظمة «كرم نافوت» نُشر في ديسمبر 2024، فإن نحو 40 في المئة فقط من مئات آلاف الدونمات التي سيطرت عليها هذه المزارع تُصنف أراضي دولة، ما يعني أن مساحة السيطرة الفعلية تتجاوز بكثير ما يمكن تخصيصه قانونيًا لها.

وفي السياق نفسه، تشير المعطيات إلى أنه منذ عام 2022، وبوتيرة أكبر منذ السابع من أكتوبر 2023، جرى تهجير أكثر من 60 تجمعًا للرعاة الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية. وتتهم التقارير سكان هذه المزارع بالوقوف خلف عمليات التهجير من خلال المضايقات والتهديدات ومنع الوصول إلى مناطق الرعي والأراضي الزراعية والسيطرة عليها، رغم الإشارة إلى أن معظم هذه المزارع لم ترتبط بأعمال عنف وحشية أو عمليات إحراق وهجمات نفذها ملثمون كما هو الحال في بعض بؤر التلال.

وفي ظل هذا الجدل، وثقت حادثة وقعت في 5 يونيو 2026 على أطراف بلدة ترقوميا شمال غربي الخليل، حين قام مستوطن ملثم ومسلح ببندقية هجومية تابعة للجيش الإسرائيلي، وبرفقة ثلاثة جنود، بطرد مزارعين فلسطينيين ونشطاء حقوق إنسان إسرائيليين من أرض زراعية خاصة تقع في المنطقة “ب”.

ووفق رواية منظمة «أبناء إبراهيم»، وصل النشطاء إلى المكان لمرافقة مزارعين فلسطينيين أثناء عملهم في أراضٍ مملوكة لهم، بهدف توفير الحماية لهم في مواجهة ما وصفته المنظمة بمحاولات متكررة لطردهم من قبل مستوطنين متطرفين وأفراد من وحدات الدفاع المناطقي التابعة للجيش الإسرائيلي.

وبحسب المنظمة، وصل إلى الموقع جندي يحمل شارة تتضمن رمز جمجمة وعلم إسرائيل، تلاه المستوطن المسلح وجنديان آخران، وبدأوا بمطالبة الفلسطينيين بمغادرة المكان. وخلال المواجهة قال المستوطن: «أنا الجيش»، وأضاف أن «اليهود مسموح لهم أن يكونوا هنا، والعرب يجب أن يرحلوا من هنا، هذه منطقة عسكرية مغلقة»، رغم أنه لم يعرض أي أمر رسمي بإغلاق المنطقة، مكتفيًا بالقول إن الأمر «قيد الإعداد».

وتشير المنظمة إلى أن المستوطن أكد أن اليهود يمكنهم البقاء في الأرض ومواصلة العمل الزراعي، في حين يجب على الفلسطينيين مغادرتها. وبعد ذلك وصلت مجموعة أخرى من المستوطنين إلى المنطقة، قبل أن تتدخل قوة من حرس الحدود، التي جمعت النشطاء والمزارعين الفلسطينيين داخل منطقة مسيجة لفترة قصيرة، ثم عرضت لاحقًا أمرًا رسميًا بإغلاق المنطقة عسكريًا وأمرت جميع الأطراف بمغادرتها.

وتأتي الحادثة في وقت تزداد فيه الانتقادات الموجهة لوحدات الدفاع المناطقي، وهي وحدات احتياط تتكون من مستوطنين جندهم الجيش الإسرائيلي بعد أحداث السابع من أكتوبر بهدف حماية المستوطنات، إلا أن تقارير عديدة وثقت تورط بعض عناصرها في أعمال عنف ومضايقات ضد فلسطينيين.

كما رجحت تقديرات أن يكون المستوطن الذي قاد الحادثة منسق أمن عسكريًا في إحدى المستوطنات المجاورة، وهو منصب يمنح حامله صلاحيات أمنية ومدنية واسعة، تشمل احتجاز الأشخاص وتنفيذ عمليات تفتيش وإجراءات أمنية مختلفة. إلا أن الجيش الإسرائيلي رفض تأكيد أو نفي هوية المستوطن أو توضيح طبيعة الصلاحيات التي استند إليها، كما امتنع عن تفسير كيفية حيازته بندقية عسكرية أو عمله تحت غطاء صلاحية عسكرية.

وبحسب منظمة «أبناء إبراهيم»، فإن سكان ترقوميا فقدوا القدرة على الوصول إلى أجزاء من أراضيهم الواقعة شرقي البلدة منذ فترة وجيزة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر تعرضهم للطرد من قبل مستوطنين يقيمون في بؤرة مزرعة قريبة. وتؤكد المنظمة أن الإدارة المدنية تسمح رسميًا للفلسطينيين بفلاحة تلك الأراضي، إلا أنهم يتعرضون عمليًا للطرد المتكرر عند محاولتهم الوصول إليها.

وفي هذا السياق، تشير معطيات حركة «السلام الآن» إلى إقامة أكثر من 120 بؤرة مزرعة استيطانية غير قانونية في أنحاء الضفة الغربية منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية في ديسمبر 2022، فيما تتهم الحركة القائمين على هذه البؤر بممارسة ضغوط ومضايقات مستمرة ضد الفلسطينيين بهدف دفعهم إلى مغادرة أراضيهم ومنعهم من ممارسة الأنشطة الزراعية والرعوية فيها.

من جهته، أكد الجيش الإسرائيلي أنه يدرس، بتوجيه من المستوى السياسي، إمكانية تنظيم إقامة مبانٍ مؤقتة لأغراض زراعية في الضفة الغربية من خلال تعديلات تشريعية توفر إطارًا قانونيًا وأمنيًا لإقامة مزارع مؤقتة، مشيرًا إلى أن مسودة الأنظمة تتضمن صلاحيات لمنح التراخيص أو إلغائها لأسباب أمنية أو للحفاظ على النظام العام، بما يتيح سحب الشرعية من مواقع استيطانية قد تشكل مصدرًا للعنف